لم تكن حربًا مذهبية خالصة ولا غزوًا عابرًا
عندما يُذكر الصراع بين العثمانيين واليمن في القرن السادس عشر، تظهر أحيانًا رواية مختصرة تقول إن العثمانيين كانوا قوة سنية أرادت إخضاع اليمن، بينما قاومهم اليمنيون بسبب اختلاف المذهب، خصوصًا الزيديين. هذه الرواية تحتوي على جزء من الحقيقة، لكنها في صورتها المبسطة مضللة؛ لأن الحرب لم تكن مجرد مواجهة بين «العثمانيين واليمنيين»، ولم يكن المذهب وحده هو الذي أشعلها.
كان الصراع نتيجة التقاء مشروع توسع إمبراطوري عثماني مع شبكة معقدة من القوى اليمنية المحلية، وفي مقدمتها الإمامة الزيدية. وكان البحر الأحمر والتجارة والحجاز والمنافسة مع البرتغاليين عوامل أساسية في دفع العثمانيين جنوبًا، بينما جعلت طبيعة السلطة في اليمن مقاومة إخضاع البلاد أكثر صعوبة مما توقعه العثمانيون.
لماذا اهتم العثمانيون باليمن أصلًا؟
لم يكن اليمن في البداية هدفًا عثمانيًا مستقلًا عن بقية المنطقة. بعد سيطرة العثمانيين على مصر سنة 1517م، أصبح البحر الأحمر جزءًا من المجال الاستراتيجي للدولة العثمانية. ومن هنا تغيرت قيمة اليمن بالنسبة إلى إسطنبول.
كان العثمانيون يريدون حماية مصر والحجاز وطرق الحج والتجارة، وفي الوقت نفسه مواجهة التوسع البرتغالي في المحيط الهندي. وقد جعل موقع اليمن عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، وقربه من باب المندب وخليج عدن، السيطرة على بعض موانئه ذات أهمية كبيرة.
لذلك كان المنطق العثماني واضحًا: لا يكفي أن تكون مصر والحجاز تحت السيطرة إذا ظل الطرف الجنوبي للبحر الأحمر خارج النفوذ العثماني ويمكن أن يصبح قاعدة لقوة منافسة.
لكن هذا يفسر لماذا وصل العثمانيون إلى اليمن، ولا يفسر وحده لماذا تحولت المواجهة إلى حروب طويلة مع القوى اليمنية.
اليمن لم يكن دولة واحدة في مواجهة الإمبراطورية
المشكلة الأولى في الحديث عن «الحرب بين العثمانيين واليمنيين» هي أن اليمن لم يكن دولة مركزية موحدة.
كانت هناك الإمامة الزيدية في المرتفعات، وسلاطين وقوى محلية في مناطق أخرى، وقبائل تتمتع بدرجات مختلفة من الاستقلال، ومراكز حضرية وساحلية لها مصالحها الخاصة.
ولذلك لم يكن دخول العثمانيين يعني أن جميع سكان اليمن أصبحوا طرفًا واحدًا في حرب ضدهم.
بعض القوى المحلية تعاونت مع العثمانيين، وبعضها قاومهم، وبعضها غيّر موقفه وفق الظروف والمصالح. وهذه الحقيقة وحدها تكشف خطأ تحويل الصراع إلى قصة قومية بسيطة عن «اليمنيين ضد الأتراك».
كان الولاء السياسي في ذلك العصر أكثر محلية وتعقيدًا من مفهوم الدولة الوطنية الذي نستخدمه اليوم.
لماذا كانت الإمامة الزيدية رأس المقاومة؟
هنا يظهر العامل المذهبي، لكنه يجب أن يوضع في مكانه الصحيح.
كانت الإمامة الزيدية أكثر من مجرد جماعة دينية مختلفة عن العثمانيين؛ كانت مؤسسة سياسية تملك مشروعًا للحكم. ولذلك فإن وصول العثمانيين إلى مناطق نفوذها لم يكن مجرد وصول سلطة سنية إلى مجتمع زيدي، بل كان تهديدًا مباشرًا لسلطة الإمام ومكانة النخب المرتبطة به.
ولهذا أصبح الاختلاف المذهبي وسيلة مهمة لتبرير المقاومة وتعبئة الأنصار، لكنه لم يكن سببًا منفصلًا عن الصراع على السلطة. فلو كان الخلاف المذهبي وحده كافيًا لإشعال الحرب، لكان من الصعب تفسير التعاون الذي حدث بين العثمانيين وبعض القوى اليمنية المختلفة، أو تفسير الهدن والمفاوضات والتسويات التي عرفها الصراع.
الأدق إذن أن نقول إن المذهب أعطى المقاومة إطارًا دينيًا وشرعية إضافية، بينما كان الصراع على السلطة والسيادة هو جوهر المواجهة السياسية.
لماذا لم تقبل الإمامة بحكم عثماني مع بقاء سلطتها؟
لأن المشروعين كانا متعارضين في الأساس. الدولة العثمانية لم تكن تبحث فقط عن علاقة رمزية مع اليمن؛ كانت تريد إدخاله في منظومة إمبراطورية لها ولاة وحاميات وضرائب وموانئ وإدارة مرتبطة بالمركز.
أما الإمامة الزيدية فكانت تريد الاحتفاظ بسلطتها في مناطق نفوذها. وهنا لم يعد السؤال: «أي مذهب أصح؟» بل أصبح عمليًا:
من يملك السلطة؟ ومن يجبي المال؟ ومن يعيّن الحكام؟ ومن يسيطر على المدن والطرق؟ وهذه أسئلة سياسية واقتصادية أكثر مما هي عقائدية.
لماذا استطاع العثمانيون السيطرة على أجزاء من اليمن؟
لأنهم لم يدخلوا اليمن في فراغ سياسي. استطاعوا الاعتماد على قوتهم العسكرية، وعلى الأسطول والموانئ، وعلى التحالفات مع قوى محلية، وأنشأوا وجودًا إداريًا وعسكريًا في عدد من المدن والمناطق المهمة. لكن السيطرة على الموانئ والمدن لم تكن مساوية للسيطرة على اليمن كله.
وهنا اصطدم المشروع الإمبراطوري بجغرافيا اليمن. فالمرتفعات الوعرة، والطرق الصعبة، والقبائل، والقدرة على شن حرب محلية طويلة جعلت من الممكن للقوى المناوئة للعثمانيين أن تتراجع من المناطق المفتوحة ثم تعود إلى القتال. ولهذا كانت الحرب مختلفة عن فتح مصر؛ فمصر كانت تمتلك مركزًا سياسيًا واقتصاديًا شديد التركيز يمكن إسقاطه والسيطرة عليه، بينما كان اليمن أكثر تشتتًا جغرافيًا وسياسيًا.
البرتغاليون يفسرون التدخل، لكنهم لا يفسرون المقاومة
من الأخطاء الشائعة أن نقول إن البرتغاليين كانوا سبب كل الحرب. وجود البرتغاليين في المحيط الهندي والبحر الأحمر يفسر بدرجة كبيرة لماذا أراد العثمانيون وجودًا قويًا في اليمن، لكنه لا يفسر لماذا قاومت الإمامة الزيدية هذا الوجود.
المقاومة لها أسباب محلية أيضًا: الدفاع عن السلطة، ورفض الإدارة الخارجية، والمصالح الاقتصادية، والتوازنات القبلية، والاختلاف المذهبي. أي أن لدينا مستويين مختلفين من الأسباب:
- الدافع العثماني: أمن البحر الأحمر والحجاز والتجارة ومواجهة المنافسين.
- دافع المقاومة المحلية: الدفاع عن السلطة والمصالح المحلية ورفض إخضاع المناطق التي كانت تحت نفوذ القوى اليمنية.
وعندما التقى السببان، تحولت المنافسة إلى حرب.
لماذا لم يتحول الصراع إلى حرب مذهبية شاملة؟
هذه من أهم النقاط التي ينبغي الانتباه إليها. لو كان الصراع ببساطة «سنة ضد زيدية»، لكان من المتوقع أن يصطف اليمن كله تقريبًا في أحد المعسكرين. لكن الواقع كان أكثر تعقيدًا. فالقوى اليمنية لم تتصرف بالطريقة نفسها، والعثمانيون أنفسهم لم يتعاملوا مع جميع القوى المحلية بالطريقة نفسها. كان التحالف والمساومة جزءًا من السياسة كما كانت الحرب جزءًا منها.
وهذا يعني أن المذهب كان عاملًا مهمًا في تشكيل هوية المقاومة الزيدية، لكنه لم يكن مفتاحًا وحيدًا لفهم جميع المواقف اليمنية.
المفارقة: العثمانيون احتاجوا إلى القوى التي أرادوا إخضاعها
كلما طال الصراع، ظهرت مشكلة أساسية في المشروع العثماني: السيطرة على اليمن تحتاج إلى التعاون مع القوى المحلية، لكن منح هذه القوى مساحة واسعة من النفوذ يضعف السيطرة المركزية.
وهكذا أصبح العثمانيون يتحركون بين قوتين متعارضتين: الرغبة في إدارة مباشرة تضمن الأمن والضرائب والموانئ، والحاجة إلى عقد تفاهمات مع القوى المحلية لتقليل تكلفة السيطرة. وهذه ليست مشكلة خاصة بالعثمانيين؛ إنها مشكلة متكررة في تاريخ الإمبراطوريات عندما تحاول إخضاع مناطق جبلية أو شديدة التعدد السياسي.
إذن لماذا اندلعت الحروب؟
يمكن اختصار المسألة في معادلة تاريخية أكثر دقة:
التوسع العثماني جنوبًا → حماية البحر الأحمر والحجاز والتجارة → محاولة السيطرة على الموانئ والمناطق الاستراتيجية → اصطدام بالمصالح السياسية المحلية → مقاومة الإمامة الزيدية → تحالفات ومقاومات محلية متغيرة → حرب طويلة يصعب حسمها.
المذهب موجود في هذه المعادلة، لكنه ليس المعادلة كلها. والأدق تاريخيًا أن نقول إن المذهب ساعد على تحديد هوية المقاومة الزيدية ومنحها شرعية دينية، بينما جعل الصراع على السلطة والسيادة والمصالح المحلية المواجهة أكثر استمرارًا.
الخلاصة: لماذا لم يستطع العثمانيون ابتلاع اليمن بسهولة؟
لم يكن اليمن بالنسبة إلى العثمانيين مجرد أرض يريدون إضافتها إلى خريطتهم، بل كان جزءًا من منظومة البحر الأحمر والمحيط الهندي والحجاز. ولذلك كان التخلي عنه يحمل تكلفة استراتيجية. لكن اليمن لم يكن مجرد مساحة تنتظر جيشًا إمبراطوريًا لكي يحكمها. كان مجتمعًا متعدد القوى، وفي المرتفعات تحديدًا وجدت الإمامة الزيدية سلطة سياسية ودينية قادرة على تعبئة المقاومة.
ولهذا لم تكن الحروب العثمانية في اليمن حربًا مذهبية خالصة، ولا حرب استقلال وطنية بالمعنى الحديث، ولا مجرد مواجهة عثمانية–برتغالية بالوكالة. كانت شيئًا أكثر تعقيدًا: إمبراطورية تريد تأمين مجالها الاستراتيجي، وسلطات يمنية تريد الحفاظ على نفوذها، ومذهب يوفر لغة للشرعية والمقاومة، وجغرافيا تجعل إخضاع البلاد أصعب بكثير من احتلال مدنها.
ومن هنا نفهم لماذا استطاع العثمانيون أن يدخلوا اليمن، وأن يحكموا أجزاء مهمة منه، لكنهم لم يستطيعوا بسهولة تحويل السيطرة العسكرية إلى سيطرة مستقرة على اليمن كله.