
السعودية والحوثيون.. لماذا انتقلت الرياض من الحرب إلى التفاوض؟
كان التدخل السعودي في اليمن عام 2015 قائماً على منطق واضح: لا يمكن السماح بقيام سلطة حوثية مسلحة على الحدود الجنوبية للمملكة، خصوصاً مع ارتباط الحوثيين المتزايد بإيران وامتلاكهم قدرات صاروخية. ولذلك بدت الحرب في بدايتها وكأنها معركة يمكن حسمها عسكرياً خلال فترة محدودة.
لكن السنوات التالية أثبتت أن إسقاط الحوثيين عسكرياً أصعب بكثير مما كان متوقعاً.
تمكنت قوات التحالف من منع الحوثيين من السيطرة على كامل اليمن، واستعادت القوى المناهضة لهم عدداً من المدن والمناطق، لكن الحوثيين احتفظوا بصنعاء وبمعظم المناطق ذات الكثافة السكانية في الشمال والغرب. والأهم أنهم لم يفقدوا قدرتهم على القتال من داخل المناطق الجبلية، بل طوروا تدريجياً الصواريخ والطائرات المسيّرة التي أصبحت قادرة على الوصول إلى أهداف بعيدة داخل السعودية.
وهنا تغيرت طبيعة المعادلة.
لم تعد المسألة: هل تستطيع السعودية وحلفاؤها هزيمة الحوثيين؟ بل أصبحت: ما تكلفة محاولة هزيمتهم، وهل تستحق هذه التكلفة؟
فالسعودية دولة كبيرة تمتلك تفوقاً عسكرياً واقتصادياً هائلاً مقارنة بالحوثيين، لكن التفوق العسكري التقليدي لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق نصر سياسي. تستطيع دولة أن تدمر مواقع خصمها، لكنها لا تستطيع بسهولة القضاء على حركة مسلحة متجذرة في بيئة محلية، خصوصاً عندما يكون البديل عن الحوثيين غير موحد.
كما أن الحرب أصبحت تحمل كلفة سياسية وإنسانية ودولية متزايدة. وكلما طال أمدها، أصبح من الصعب تقديمها باعتبارها عملية عسكرية قصيرة لإعادة الحكومة، وتحولت إلى حرب استنزاف لا يبدو أن لها نهاية واضحة.
وفي المقابل، لم يكن الحوثيون في وضع يسمح لهم أيضاً بتحقيق نصر كامل. فقد احتفظوا بصنعاء ومناطق واسعة، لكنهم لم يستطيعوا السيطرة على كامل اليمن، ولم يتمكنوا من القضاء على خصومهم في الجنوب والشرق، كما أن اقتصاد المناطق التي يسيطرون عليها ظل مرتبطاً بصورة كبيرة ببقية اليمن وبالمساعدات والتجارة.
لذلك نشأ نوع من التوازن غير المعلن: الحوثيون لا يستطيعون ابتلاع اليمن كله، وخصومهم لا يستطيعون إخراجهم من المناطق التي يسيطرون عليها بسهولة.
وهنا أصبحت التهدئة أكثر عقلانية من استمرار الحرب.
ومن المهم ألا نفهم التحول السعودي باعتباره مجرد «استسلام» للحوثيين. فالسعودية لم تتخلَّ عن مصالحها، وإنما تغيرت طريقة تحقيقها. عندما يصبح استمرار الحرب أكثر تكلفة من التفاوض، يصبح التفاوض نفسه أداة من أدوات الأمن القومي.
ولهذا بدأت الاتصالات السعودية–الحوثية تأخذ شكلاً أكثر جدية بعد الهدنة الأممية عام 2022، وازدادت قوة هذا المسار في 2023. كانت الرياض تريد أساساً بيئة يمنية أكثر استقراراً على حدودها، ووقف الهجمات الصاروخية والمسيّرة، وإنهاء استنزاف الحرب، بينما أراد الحوثيون الاعتراف بهم كطرف رئيسي في أي تسوية والحصول على مكاسب سياسية واقتصادية.
وهنا تكمن مفارقة الحرب: الطرف الذي حارب الحوثيين لإعادة الحكومة إلى صنعاء انتهى بالتفاوض مباشرة مع القوة التي تسيطر على صنعاء.
لكن ذلك لم يكن بالضرورة تناقضاً كاملاً. فالحكومة اليمنية المعترف بها دولياً كانت جزءاً من المشكلة التفاوضية نفسها؛ لأنها لا تملك القوة الكافية لفرض تسوية بمفردها، كما أن القوى الموجودة داخل معسكرها تختلف حول مستقبل الدولة.
وهكذا أصبح الحوثيون طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية، حتى بالنسبة إلى خصمهم الإقليمي الرئيسي.
أما إيران، فقد استفادت من هذا التحول من زاوية أخرى. فوجود الحوثيين كقوة مسلحة على الحدود السعودية يمنح طهران ورقة ضغط استراتيجية مهمة، دون أن تضطر إلى خوض حرب مباشرة مع السعودية. وكلما تمكن الحوثيون من الصمود، أصبحت قيمة هذه الورقة أكبر.
لكن من الخطأ أيضاً تصور العلاقة باعتبارها تحكماً إيرانياً كاملاً بالحوثيين. فإيران استفادت من الحوثيين، والحوثيون استفادوا من إيران، لكن الطرفين ليسا بالضرورة شيئاً واحداً. للحوثيين مشروعهم وحساباتهم اليمنية، ولإيران حساباتها الإقليمية. العلاقة أقرب إلى تحالف مصالح متطور منها إلى علاقة قيادة وسيطرة بسيطة.
ومن هنا يمكن فهم لماذا أصبحت السعودية أكثر اهتماماً بإغلاق الجبهة اليمنية، بينما أصبح الحوثيون أكثر قدرة على استخدام موقعهم كورقة إقليمية.
لكن المشكلة أن التفاوض السعودي–الحوثي لا يساوي بالضرورة السلام اليمني.
فالسعودية طرف في الحرب، لكنها ليست اليمن كلها. وإذا توصلت الرياض والحوثيون إلى اتفاق يضمن أمن الحدود السعودية ووقف الهجمات، فهذا يحل جزءاً من المشكلة، لكنه لا يحسم مستقبل الجنوب، ولا علاقة الحوثيين ببقية القوى اليمنية، ولا مسألة تقاسم النفط والغاز، ولا شكل الدولة، ولا توزيع السلطة.
وهنا نصل إلى واحدة من أهم مفارقات الملف اليمني:
قد تنجح السعودية والحوثيون في إنهاء الحرب التي بينهما، من دون أن ينجح اليمنيون في إنهاء الحرب اليمنية.
وهذه النقطة ستكون مدخلاً مهماً للمقال التالي: إيران في اليمن.. هل الحوثيون أداة إيرانية أم حليف مستقل؟ لأن فهم الدور الإيراني ضروري لفهم لماذا تحولت الحرب اليمنية من صراع داخلي إلى جزء من ميزان القوى في الشرق الأوسط.