
إيران والحوثيون.. تحالف مصالح أم وكيل إقليمي؟
من الصعب فهم الحرب اليمنية من دون التوقف عند إيران، لكن من السهل أيضاً الوقوع في تفسير مبسط يجعل الحوثيين مجرد نسخة يمنية من حزب الله اللبناني. الحقيقة أكثر تعقيداً. فالحوثيون حركة يمنية نشأت قبل التحالف الاستراتيجي مع طهران، لكن الحرب الطويلة دفعت الطرفين إلى التقارب، وحولت الحوثيين تدريجياً إلى أحد أهم الأوراق الإقليمية المرتبطة بإيران.
لم تكن العلاقة الإيرانية–الحوثية في بدايتها بالشكل الذي أصبحت عليه بعد 2015. الحركة نشأت من البيئة الزيدية في شمال اليمن، وكانت لها أسبابها المحلية وصراعاتها الخاصة مع الحكومة. لكن حروب صعدة، ثم سقوط صنعاء، ثم التدخل السعودي، كلها دفعت الحوثيين إلى البحث عن مصادر للدعم السياسي والعسكري، بينما وجدت إيران في صعودهم فرصة استراتيجية ثمينة.
الموقع الجغرافي هو جوهر هذه الفرصة.
اليمن يقع عند مدخل البحر الأحمر وبالقرب من باب المندب، وعلى حدود مباشرة مع السعودية. ولذلك فإن وجود قوة مسلحة متحالفة مع إيران في هذه المنطقة يمنح طهران ورقة استراتيجية لا تتعلق باليمن وحده. فإيران لا تحتاج إلى السيطرة على الأراضي اليمنية؛ يكفي أن يكون لديها حليف قادر على تهديد خصومها أو التأثير في حركة الملاحة والأمن الإقليمي.
وهذا يفسر أهمية تطور القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة لدى الحوثيين. فهذه القدرات غيرت طبيعة الحركة من قوة محلية تقاتل داخل اليمن إلى قوة تستطيع التأثير في السعودية والإمارات وإسرائيل، ثم في الملاحة الدولية.
لكن القول إن إيران «تتحكم» بالحوثيين يحتاج إلى قدر من الحذر. فالحوثيون لم يكونوا حركة إيرانية الصنع، ولم تبدأ قصتهم مع وصول السلاح الإيراني. لديهم قيادة يمنية وقاعدة اجتماعية ومصالح محلية، واتخذوا قرارات كثيرة انطلاقاً من حساباتهم الخاصة.
الأدق هو القول إن الحرب خلقت علاقة تكامل بين مشروعين مختلفين.
الحوثيون يحتاجون إلى التكنولوجيا والخبرة والدعم السياسي الذي توفره إيران وشبكة حلفائها، وإيران تحتاج إلى قوة محلية حليفة تستطيع العمل في موقع استراتيجي حساس وتكلفتها المباشرة أقل بكثير من تكلفة التدخل الإيراني العسكري المباشر.
وهذه هي إحدى خصائص الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة: بناء علاقات مع قوى محلية مسلحة تستطيع العمل بصورة مستقلة إلى حد كبير، لكنها تشترك مع طهران في عدد من المصالح الاستراتيجية. ولذلك فإن قوة هذه العلاقات لا تعتمد بالضرورة على إصدار أوامر يومية من إيران إلى حلفائها، بل على وجود مصالح مشتركة تجعل التعاون مفيداً للطرفين.
وقد أثبتت أزمة البحر الأحمر بعد 2023 قيمة هذه العلاقة بصورة واضحة. فالولايات المتحدة وإسرائيل تستطيعان التعامل مع الحوثيين كتهديد عسكري في اليمن، لكن مجرد وجود هذه القدرة لدى الحوثيين يعني أن إيران تستطيع التأثير في بيئة أمنية بعيدة عن أراضيها ومن دون فتح حرب مباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل.
وهنا تظهر نقطة أكثر أهمية: الحوثيون لم يعودوا مجرد ورقة إيرانية؛ لقد أصبحوا هم أنفسهم ورقة إقليمية.
فهم يستخدمون الصراع الإقليمي لتعزيز موقعهم داخل اليمن، وإيران تستخدم موقعهم لتعزيز قدرتها على الردع والمساومة، بينما تستخدم الولايات المتحدة وإسرائيل تهديد الحوثيين لتبرير وجود عسكري أكبر في المنطقة. وهكذا يدخل اليمن في دائرة تتجاوز بكثير حدود النزاع اليمني الأصلي.
لكن لهذا التحالف حدوداً أيضاً.
إيران لا تستطيع ببساطة أن تفرض على الحوثيين ما تريد في كل ملف، لأن الحوثيين في النهاية سلطة محلية تواجه شعباً واقتصاداً وأرضاً يمنية. كما أن مصالحهم قد تفرض عليهم أحياناً قبول تسويات مع السعودية أو أطراف يمنية أخرى لا تكون بالضرورة الخيار الإيراني المفضل.
ومن هنا فإن تصوير الحوثيين كـ«دمية إيرانية» لا يفسر قدرتهم على الصمود، بينما تصويرهم كحركة مستقلة تماماً عن إيران يتجاهل التطور الحقيقي في قدراتهم وعلاقاتهم العسكرية والإقليمية.
الحقيقة تقع بين الاثنين: حركة يمنية ذات مشروع خاص أصبحت جزءاً من شبكة نفوذ إقليمية، وكلما طال الصراع ازدادت قيمة هذه العلاقة للطرفين.
لكن إذا كانت إيران قد وجدت في الحوثيين فرصة استراتيجية، فإن السعودية والإمارات وجدتا في الحرب اليمنية فرصة لإعادة ترتيب نفوذهما في اليمن أيضاً. وهنا نصل إلى طبقة أخرى من الصراع: لماذا لم يكن الهدف السعودي والإماراتي في اليمن متطابقاً تماماً، وكيف أدى ذلك إلى ظهور قوى جنوبية مستقلة عن الحكومة نفسها؟