ازمة اليمن: السعودية والإمارات.. حليفان في الحرب ومشروعان مختلفان في اليمن

السعودية والإمارات.. حليفان في الحرب ومشروعان مختلفان في اليمن

عندما بدأت السعودية تدخلها العسكري في اليمن عام 2015، بدا التحالف العربي وكأنه كتلة واحدة لها هدف واضح: وقف تمدد الحوثيين وإعادة الحكومة المعترف بها دولياً. لكن مع استمرار الحرب ظهرت تدريجياً اختلافات في أولويات الدول المشاركة، وكان أبرزها الاختلاف بين السعودية والإمارات.

لم يكن الخلاف بالضرورة صداماً مباشراً بين الدولتين، فكلاهما رأى في الحوثيين خطراً، وكلاهما أراد منع خصومه من السيطرة على اليمن. لكن السؤال الذي لم تكن له إجابة واحدة هو: ما اليمن الذي ينبغي أن يولد بعد الحرب؟

بالنسبة إلى السعودية، كان أمن الحدود يمثل القضية الأكثر إلحاحاً. فوجود قوة مسلحة معادية على حدودها الجنوبية، تمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة وتستطيع استهداف الأراضي السعودية، جعل إنهاء التهديد الحوثي هدفاً مركزياً. كما كانت الرياض أكثر تمسكاً، على الأقل رسمياً، بالحفاظ على إطار الدولة اليمنية الموحدة والحكومة المعترف بها دولياً.

أما الإمارات فطورت خلال الحرب شبكة مختلفة من العلاقات مع قوى يمنية محلية، خصوصاً في الجنوب والساحل الغربي. وكان من بين أهم حلفائها قوى جنوبية وأمنية وعسكرية محلية، بينما كان للموانئ والجزر والممرات البحرية أهمية خاصة في رؤيتها الاستراتيجية لمنطقة البحر الأحمر وخليج عدن.

وهنا برز المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه أحد أهم مظاهر هذا الاختلاف.

فالمجلس لم يكن مجرد قوة عسكرية أخرى تقاتل الحوثيين؛ بل حمل مشروعاً سياسياً يتعلق باستعادة دولة الجنوب التي انتهت بعد وحدة 1990 وحرب 1994. ولذلك فإن انتصاره الكامل على الحوثيين لم يكن يعني بالضرورة عودة اليمن إلى الدولة الموحدة التي كانت قائمة قبل الحرب.

هذه الحقيقة وضعت الحكومة اليمنية أمام مشكلة شديدة التعقيد. فهي تقاتل الحوثيين لاستعادة الدولة، لكنها في بعض المناطق تواجه قوى حليفة لها عسكرياً لكنها لا تشترك معها في تصورها لمستقبل الدولة.

وكانت أحداث عدن عام 2019 مثالاً واضحاً على ذلك. فقد اندلعت مواجهات بين القوات الحكومية وقوات المجلس الانتقالي، وانتهت بسيطرة الانتقالي على عدن. ثم جاء «اتفاق الرياض» في محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين الطرفين وإدماجهما في إطار سياسي وعسكري واحد.

لكن الاتفاق لم يحل المشكلة الأساسية: هل يكون الجنوب جزءاً من دولة يمنية موحدة، أم يتحول في النهاية إلى كيان مستقل؟

وهذه ليست قضية هامشية. فالجنوب يمتلك موقعاً استراتيجياً مهماً، ويضم عدن وموانئ ومناطق واسعة، كما أن السيطرة على السواحل والممرات البحرية تمنح القوى الموجودة فيه أهمية تتجاوز حجمها السكاني.

ومن هنا يمكن فهم لماذا أصبحت الإمارات لاعباً مؤثراً في جنوب اليمن حتى بعد تقليص وجودها العسكري المباشر. فقد بنت خلال سنوات الحرب علاقات مع قوى محلية تستطيع الاستمرار والعمل من دون وجود قوات إماراتية كبيرة على الأرض.

أما السعودية فوجدت نفسها أمام معادلة مختلفة: فهي لا تريد الحوثيين على حدودها، لكنها أيضاً لا تستطيع تجاهل حقيقة أن القوى المناهضة للحوثيين نفسها منقسمة. ولذلك أصبح عليها أن تدير ليس حرباً واحدة، بل مجموعة صراعات متداخلة.

وهذا أحد أسباب تغير طبيعة الدور السعودي لاحقاً. فبدلاً من محاولة إدارة كل التفاصيل العسكرية والسياسية داخل اليمن، أصبحت الأولوية تدريجياً هي إنهاء التهديد المباشر للمملكة وخلق بيئة يمنية أكثر استقراراً.

وهنا نصل إلى نتيجة مهمة: التدخل الخارجي لم يكن مجرد عامل عسكري أضاف طائرات وقنابل إلى الحرب، بل أعاد تشكيل الخريطة السياسية اليمنية نفسها.

السلاح والتمويل والدعم الخارجي مكّن قوى محلية من بناء مؤسسات أمنية وعسكرية خاصة بها. ومع مرور السنوات أصبحت هذه القوى جزءاً من الواقع اليمني، بحيث أصبح من الصعب ببساطة حلها وإعادتها إلى جيش وطني واحد.

وبذلك ساهمت الحرب، paradoxically، في تحقيق عكس الهدف المعلن جزئياً. فقد دخل التحالف الحرب بهدف دعم الدولة اليمنية، لكن استمرار الحرب أدى إلى زيادة عدد مراكز القوة التي يصعب جمعها داخل دولة مركزية واحدة.

ومع ذلك، سيكون من الظلم تحميل السعودية والإمارات وحدهما مسؤولية تفكك اليمن. فالقضية الجنوبية سبقت التدخل الخليجي بأكثر من عقد، والانقسامات القبلية والسياسية والعسكرية كانت موجودة منذ زمن طويل. التدخل الخارجي لم يخلق كل هذه التناقضات، لكنه أعاد توزيع الموارد والقوة بينها، وبالتالي غيّر وزن كل طرف داخل المعادلة.

وهكذا أصبحت اليمن أمام مشكلة مزدوجة: الحوثيون يملكون سلطة متماسكة نسبياً في مناطقهم، بينما المعسكر المناهض لهم يمتلك قوى متعددة ذات أهداف مختلفة.

وهذا يفسر لماذا يمكن أن تتوقف الحرب بين الحوثيين وخصومهم، من دون أن تختفي الصراعات التي صنعت الحرب أصلاً.

لكن هناك عاملاً آخر ربما يكون أكثر حساسية من السياسة والسلاح: الاقتصاد اليمني نفسه.

فمن يسيطر على النفط والغاز والموانئ والعملة والبنك المركزي والطرق التجارية، يملك جزءاً كبيراً من القدرة على البقاء السياسي والعسكري. ولذلك فإن الحرب لم تكن فقط على الأرض، بل أصبحت أيضاً حرباً على موارد الدولة ومصادر الإيرادات.

ومن هنا ننتقل إلى المقال التالي: اليمن.. عندما تصبح الموارد الاقتصادية جزءاً من الحرب: النفط والغاز والموانئ والعملة.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.