
الاقتصاد في قلب الحرب.. النفط والغاز والموانئ والعملة
قد يبدو الصراع اليمني للوهلة الأولى صراعاً على السلطة والهوية والنفوذ، لكنه في الواقع يحمل بعداً اقتصادياً لا يقل أهمية عن البعد العسكري. فاليمن من أفقر دول المنطقة، وموارده محدودة، ولذلك تصبح الموارد القليلة الموجودة أكثر أهمية عندما تنهار الدولة وتنقسم مؤسساتها.
قبل الحرب كان الاقتصاد اليمني يعتمد بدرجة كبيرة على صادرات النفط والغاز، وعلى عائدات الدولة من الموارد الطبيعية والتحويلات والمساعدات. لكن الحرب مزقت النظام الاقتصادي نفسه، وأصبحت الإيرادات موزعة بين سلطات ومناطق مختلفة، بينما تحولت المؤسسات الاقتصادية إلى أدوات للصراع.
وكان النفط والغاز من أبرز الملفات. فمعظم المناطق الغنية بالموارد تقع خارج مناطق السيطرة الحوثية المباشرة، خصوصاً في محافظات مثل مأرب وشبوة وحضرموت. ولذلك لم يكن الصراع على هذه المناطق مجرد صراع جغرافي؛ فالسيطرة عليها تعني امتلاك جزء مهم من الموارد التي يمكن أن تمول أي سلطة يمنية مستقبلية.
وفي المقابل، يسيطر الحوثيون على صنعاء ومعظم الكتلة السكانية في الشمال والغرب، وهي مناطق تضم الجزء الأكبر من السكان والأسواق والاستهلاك، لكنها لا تمتلك الحجم نفسه من الموارد النفطية. وهنا نشأ تناقض اقتصادي شديد: السلطة الحوثية تسيطر على معظم السكان، بينما توجد نسبة مهمة من الموارد في مناطق تسيطر عليها قوى أخرى.
ومن الطبيعي أن يجعل هذا التوزيع الاقتصادي أي تسوية سياسية أكثر صعوبة.
فإذا توصلت الأطراف إلى اتفاق سياسي، فسيظهر السؤال فوراً: من يحصل على عائدات النفط والغاز؟ وكيف توزع الإيرادات بين صنعاء وعدن والمحافظات المنتجة؟ ومن يدير الموانئ والجمارك والضرائب؟ وهل تعود عائدات الموارد إلى خزينة مركزية واحدة أم تحصل كل منطقة على جزء منها؟
ولهذا فإن الحديث عن السلام اليمني من دون الحديث عن تقاسم الموارد يبقى ناقصاً.
العملة.. دولتان اقتصاديتان داخل دولة واحدة
ربما كان الانقسام النقدي أحد أكثر مظاهر تفكك الدولة وضوحاً.
فبعد الحرب أصبح هناك انقسام بين المؤسسات النقدية والمالية في مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين، وظهرت سياسات نقدية مختلفة، بما في ذلك اختلاف التعامل مع الإصدارات النقدية وسعر الصرف.
ولم يعد الريال اليمني عملياً يؤدي الوظيفة نفسها في جميع أنحاء البلاد. وهذا ليس مجرد تفصيل اقتصادي، لأن العملة تمثل إحدى أدوات السيادة. عندما تصبح هناك سلطات نقدية وسياسات مالية مختلفة، فإن الانقسام السياسي يتحول إلى انقسام مؤسسي يصعب التراجع عنه.
كما أن انهيار قيمة العملة في مناطق الحكومة أدى إلى ارتفاع أسعار السلع وتراجع القوة الشرائية، بينما واجه السكان في مناطق الحوثيين ظروفاً اقتصادية مختلفة، وإن كانوا يعانون بدورهم من الفقر والبطالة وانهيار الخدمات.
وهكذا أصبحت الحرب الاقتصادية امتداداً للحرب العسكرية: الضرائب والجمارك والرواتب والتحويلات والموانئ والبنوك كلها أصبحت أدوات ضغط متبادلة.
الموانئ.. الجغرافيا التي جعلت اليمن أكبر من حجمه
يمتلك اليمن موقعاً جغرافياً استثنائياً. فهو يطل على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، ويشرف على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
لكن أهمية الموانئ اليمنية لا تتعلق بالتجارة المحلية فقط. فميناء الحديدة يمثل منفذاً أساسياً للمناطق الخاضعة للحوثيين، بينما تتمتع عدن وموانئ الجنوب والشرق بأهمية استراتيجية مختلفة.
ولهذا أصبحت السيطرة على الموانئ جزءاً من الصراع الاقتصادي والعسكري في الوقت نفسه.
وقد كشفت أزمة البحر الأحمر بعد 2023 عن جانب آخر من هذه الأهمية. فالحوثيون استطاعوا استخدام موقع اليمن الجغرافي للتأثير في حركة الملاحة الدولية، حتى من دون امتلاك اقتصاد كبير أو قوة بحرية تقليدية ضخمة.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الكبرى في اليمن: بلد فقير وممزق يستطيع، بسبب موقعه الجغرافي، التأثير في اقتصاد عالمي يفوق حجمه عشرات أو مئات المرات.
هل الحرب حرب موارد؟
سيكون من الخطأ اختزال الحرب اليمنية إلى حرب على النفط والموانئ. فالهوية السياسية والدينية، والصراع على السلطة، وقضية الجنوب، والخلافات القبلية والعسكرية، والتدخل الإقليمي كلها عوامل حقيقية.
لكن الاقتصاد جعل هذه الصراعات أكثر صلابة.
فكل طرف يحتاج إلى موارد لتمويل قواته وإدارة المناطق التي يسيطر عليها. وكلما طال الانقسام، نشأت مصالح اقتصادية جديدة مرتبطة باستمرار الوضع القائم. وهذا يعني أن بعض القوى قد لا تكون مستعدة بسهولة للعودة إلى دولة مركزية قوية إذا كان ذلك سيؤدي إلى خسارة مصادر دخل أو نفوذ اكتسبتها خلال سنوات الحرب.
وهنا تكمن مشكلة السلام العميقة.
الحرب لا تنتج فقط قتلى ودماراً؛ بل تنتج أيضاً اقتصاداً جديداً ومصالح جديدة.
أشخاص ومؤسسات وقوى محلية استفادت من اقتصاد الحرب، ومن الضرائب والجمارك والتهريب والسيطرة على المعابر والموارد، ومن الصعب توقع أن تتخلى كل هذه الأطراف تلقائياً عن مكاسبها بمجرد توقيع اتفاق سياسي.
ولهذا فإن إعادة توحيد اليمن لا تعني فقط جمع السياسيين حول طاولة واحدة، بل تعني أيضاً إعادة توحيد الاقتصاد والمؤسسات والموارد.
وهذا يقودنا إلى سؤال أكثر عمقاً: إذا كان اليمن قد انقسم إلى سلطات سياسية واقتصادية وعسكرية متعددة، فهل ما زال من الممكن عملياً إعادة بناء اليمن كدولة مركزية موحدة، أم أن الحرب صنعت واقعاً جديداً يجعل الفيدرالية أو التقسيم أو اللامركزية الواسعة أكثر واقعية؟
وهذا سيكون محور المقال التالي: اليمن الموحد.. هل ما زال ممكناً؟