
اليمن الموحد.. هل ما زال ممكناً؟
كان الحفاظ على وحدة اليمن أحد الأهداف المعلنة لمعظم القوى الدولية والإقليمية التي تعاملت مع الأزمة اليمنية. لكن المشكلة أن «الوحدة» التي يتحدث عنها الجميع لم تعد بالضرورة تعني الشيء نفسه بالنسبة إلى جميع اليمنيين. فهناك من يريد دولة مركزية موحدة، وهناك من يقبل بوحدة اسمية مع حكم محلي واسع، وهناك قوى جنوبية ترى أن الوحدة نفسها كانت تجربة فاشلة وأن الحل يكمن في استعادة دولة الجنوب.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل يمكن تقسيم اليمن؟ بل: ما الذي يعنيه بقاء اليمن موحداً في ظل تعدد مراكز القوة؟
من الناحية الجغرافية والتاريخية، اليمن ليس كياناً مصطنعاً بالكامل. كانت هناك دول وسلالات ومراكز سياسية مختلفة في الشمال والجنوب قبل الوحدة، لكن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والبشرية بين المناطق اليمنية قديمة وعميقة. ولذلك فإن الحديث عن تقسيم اليمن كما لو أن هناك خطاً طبيعياً يفصل شعبين منفصلين تماماً سيكون تبسيطاً للتاريخ.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن تجربة الوحدة نفسها لم تنجح في إنتاج شعور متساوٍ بالشراكة لدى جميع الأطراف.
حرب 1994 تركت جرحاً عميقاً في الجنوب، ثم جاءت سنوات من التهميش السياسي والاقتصادي، بحسب رؤية قطاعات واسعة من الجنوبيين، لتؤسس للحراك الجنوبي الذي تطور لاحقاً إلى قوى سياسية وعسكرية أكثر تنظيماً. ومع الحرب الأخيرة أصبحت هذه القوى تملك أرضاً ومؤسسات وأجهزة أمنية وقواعد اجتماعية، وبالتالي لم تعد القضية مجرد احتجاج سياسي يمكن احتواؤه بسهولة.
وفي الشمال حدث تطور مختلف. فقد أصبح الحوثيون السلطة الفعلية في صنعاء ومناطق واسعة، وبنوا مؤسسات أمنية وعسكرية وإدارية خاصة بهم. وبمرور الوقت أصبح لديهم أيضاً تصور سياسي خاص لمستقبل الدولة اليمنية.
وهنا تظهر مشكلة أساسية في أي مشروع لإعادة توحيد اليمن: من سيذوب في من؟
إذا عادت دولة مركزية قوية إلى صنعاء، فهل يقبل الحوثيون بالتخلي عن منظومتهم العسكرية والأمنية؟ وإذا أُعيد تشكيل الجيش، كيف يتم دمج القوات الحوثية والقوات الحكومية والقوى الجنوبية والقوات المحلية الأخرى؟ ومن يضمن ألا تستخدم الدولة الموحدة الجيش الجديد ضد أحد مكوناتها كما حدث في الماضي؟
هذه الأسئلة ليست تقنية، بل هي جوهر الصراع.
الفيدرالية.. حل وسط أم مرحلة انتقالية؟
لهذا السبب ظهر خيار الفيدرالية واللامركزية باعتباره حلاً وسطاً بين الوحدة المركزية والانفصال. فمن الناحية النظرية يمكن لدولة يمنية واحدة أن تمنح المحافظات والأقاليم صلاحيات واسعة في إدارة شؤونها، مع بقاء الدفاع والسياسة الخارجية والعملة وبعض المؤسسات السيادية مركزية.
لكن الفيدرالية تواجه بدورها مشكلة الموارد.
فإذا كانت المناطق المنتجة للنفط والغاز تحصل على معظم مواردها لنفسها، فكيف تمول المناطق الأكثر فقراً وكثافة سكانية؟ وإذا أعطيت الحكومة المركزية صلاحيات واسعة على الموارد، فقد تعود المشكلة القديمة نفسها: الصراع على مركز الدولة.
كما أن الحدود بين الأقاليم ستكون قضية شديدة الحساسية. فالموارد والموانئ والطرق ومناطق النفوذ العسكري لا تتوزع بطريقة تجعل رسم خريطة فيدرالية أمراً بسيطاً.
لذلك فإن الفيدرالية ليست عصا سحرية. قد تكون إطاراً مفيداً إذا سبقتها تسوية سياسية حقيقية وإعادة بناء للمؤسسات، لكنها قد تتحول أيضاً إلى طريقة رسمية لتثبيت الانقسام إذا استُخدمت فقط لتوزيع مناطق النفوذ الحالية.
وماذا عن الانفصال؟
الانفصال أكثر وضوحاً من الناحية السياسية، لكنه ليس بالضرورة أكثر سهولة.
فقيام دولة جنوبية مستقلة يحتاج إلى اتفاق على الحدود والموارد والجيش والموانئ والعملة والديون والعلاقات الخارجية. كما أن الجنوب نفسه ليس كتلة سياسية واحدة بالكامل، وهناك اختلافات بين المحافظات والقوى المحلية حول توزيع السلطة والثروة.
وبالتالي فإن تقسيم اليمن قد لا ينهي الصراع تلقائياً؛ بل يمكن أن ينقل الصراع من سؤال «من يحكم اليمن؟» إلى سؤال «من يحكم كل جزء من اليمن؟»
وهناك عامل آخر مهم: القوى الإقليمية والدولية ليست بالضرورة متفقة على شكل اليمن النهائي. فالدولة الموحدة قد تكون أكثر ملاءمة لبعض المصالح، بينما قد تجد أطراف أخرى أن وجود كيانات محلية قوية يوفر لها نفوذاً أكبر.
المفارقة الأساسية
المفارقة أن إعادة اليمن إلى دولة مركزية موحدة كما كان قبل الحرب تبدو صعبة، لكن تقسيمه رسمياً قد يكون أصعب.
فالواقع الحالي أنتج شيئاً ثالثاً: يمن موحد قانونياً، متعدد سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
وهذا الوضع قد يستمر سنوات إذا لم يجد اليمنيون تسوية كبرى. وقد يكون هذا هو الشكل الأكثر احتمالاً على المدى القصير: لا تقسيم رسمي، ولا عودة كاملة إلى دولة مركزية واحدة، بل ترتيبات محلية ومناطق نفوذ واتفاقات مؤقتة.
لكن هذا الوضع يحمل خطراً آخر. فالأجيال التي نشأت خلال الحرب قد تعتبر الانقسام أمراً طبيعياً، وكلما طال عمر المؤسسات الموازية، أصبح تفكيكها وإعادة بناء دولة واحدة أكثر صعوبة.
لذلك فإن الوحدة اليمنية لم تعد قضية جغرافية فقط، وإنما أصبحت مشروعاً سياسياً يحتاج إلى إعادة تأسيس من الصفر تقريباً.
ولا يكفي أن يتفق الحوثيون والحكومة أو السعودية والحوثيون على وقف الحرب. المطلوب في النهاية اتفاق يجيب عن الأسئلة التي فشلت اليمن في الإجابة عنها منذ عقود: كيف توزع السلطة؟ كيف توزع الثروة؟ ما موقع الجنوب؟ ما وضع السلاح؟ ومن يملك الدولة؟
وهنا نصل إلى عامل لا يمكن تجاهله في أي محاولة لفهم مستقبل اليمن: الموقع الجغرافي نفسه.
فاليمن ليس مجرد دولة تعاني حرباً أهلية؛ إنه دولة تقع على باب المندب، مقابل القرن الأفريقي، وقريبة من طرق الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا. وهذا الموقع جعل القوى الإقليمية والدولية تنظر إلى اليمن باعتباره جزءاً من أمنها، وليس شأناً يمنياً داخلياً فقط.
ومن هنا سيكون المقال التالي عن باب المندب والبحر الأحمر: لماذا جعل موقع اليمن الحرب اليمنية أكبر من اليمن؟