ازمة اليمن: باب المندب والبحر الأحمر.. لماذا جعل موقع اليمن الحرب أكبر من اليمن؟

باب المندب والبحر الأحمر.. لماذا جعل موقع اليمن الحرب أكبر من اليمن؟

لو كان اليمن يقع في موقع جغرافي عادي، لربما بقيت الحرب فيه إلى حد كبير شأناً داخلياً وإقليمياً. لكن موقعه جعله مختلفاً. فاليمن يطل على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، ويقع بالقرب من باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن ثم بالمحيط الهندي. ولهذا فإن السيطرة على الساحل اليمني لا تعني فقط امتلاك شريط ساحلي، بل امتلاك موقع يمكنه التأثير في واحدة من أهم طرق التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا.

وهذه الجغرافيا كانت موجودة قبل الحوثيين وقبل الحرب الحالية، لكنها اكتسبت أهمية استثنائية عندما أصبحت أجزاء واسعة من الساحل الغربي تحت سيطرة الحوثيين، ثم تطورت قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيّرة.

هنا تغيرت قيمة اليمن الاستراتيجية.

فالحوثيون لا يحتاجون إلى امتلاك أسطول بحري ضخم حتى يؤثروا في الملاحة. يكفي امتلاك صواريخ وطائرات مسيّرة وقدرة على استهداف سفن أو تهديدها، لكي ترتفع تكلفة المرور في المنطقة. وهذا بالضبط ما ظهر بوضوح بعد 2023 عندما بدأت الهجمات على السفن المرتبطة، بحسب إعلان الحوثيين، بإسرائيل أو المتجهة إليها، في سياق الحرب في غزة.

لكن أهمية باب المندب لا تعني أن الحوثيين يستطيعون «إغلاقه» ببساطة. فالمضيق ممر دولي واسع، وتوجد فيه قدرات بحرية إقليمية ودولية كبيرة. ولذلك فإن التأثير الحوثي كان أساساً في رفع مستوى المخاطر والتكاليف على الملاحة، وليس امتلاك قدرة مطلقة على التحكم بالمضيق.

وهذا الفرق مهم.

فمجرد احتمال تعرض سفينة لهجوم قد يكون كافياً لشركات التأمين والشحن لإعادة حساباتها. وإذا أصبحت المخاطر مرتفعة بدرجة معينة، فقد تفضل الشركات إرسال السفن حول رأس الرجاء الصالح، رغم أن المسار أطول بكثير. وهكذا تستطيع قوة محدودة نسبياً أن تفرض أثراً اقتصادياً يتجاوز حجمها العسكري بكثير.

من اليمن إلى التجارة العالمية

أظهرت أزمة البحر الأحمر أن الحرب اليمنية يمكن أن تنتقل من المستوى المحلي إلى الاقتصاد العالمي خلال فترة قصيرة.

فالسفينة التي تغير مسارها حول أفريقيا لا تعني فقط زيادة مسافة الرحلة. هناك وقود إضافي، ووقت أطول، وتكاليف تأمين أعلى، وتأخير في سلاسل الإمداد. ومع اتساع الأزمة يصبح البحر الأحمر نفسه منطقة مخاطر تجارية، حتى بالنسبة إلى شركات لا علاقة مباشرة لها بالحرب اليمنية.

وهنا أصبحت اليمن مرتبطة بقضية أكبر من الصراع على صنعاء وعدن ومأرب.

الموقع الجغرافي تحول إلى أداة قوة.

وهذه ليست ظاهرة جديدة في التاريخ اليمني. فالموقع البحري لليمن جعل موانئه ومناطقه الساحلية محل اهتمام القوى الدولية منذ قرون، لكن التكنولوجيا الحديثة جعلت قيمة هذا الموقع أكبر، لأن الصاروخ والطائرة المسيّرة أصبحا قادرين على تحويل الجغرافيا إلى قدرة عسكرية بعيدة المدى.

لماذا تهتم السعودية والإمارات والولايات المتحدة؟

بالنسبة إلى السعودية، أمن البحر الأحمر ليس قضية بعيدة عن أمنها القومي. فالساحل الغربي للمملكة يعتمد على البحر الأحمر، كما أن استقرار الملاحة جزء من أمنها الاقتصادي والاستراتيجي.

أما الإمارات، فموقع اليمن يرتبط برؤيتها الأوسع للموانئ والممرات البحرية في الخليج العربي وخليج عدن والبحر الأحمر. ولذلك اكتسب الساحل الجنوبي والغربي والموانئ والجزر اليمنية أهمية كبيرة خلال الحرب.

أما الولايات المتحدة، فالمسألة مختلفة قليلاً. واشنطن تنظر إلى حرية الملاحة باعتبارها مصلحة استراتيجية عالمية، ولذلك فإن تهديد السفن التجارية في البحر الأحمر يمكن أن يستدعي تدخلاً عسكرياً حتى لو لم تكن الحرب اليمنية نفسها تمثل أولوية أمريكية مستقلة.

وهنا يظهر تحول مهم: الولايات المتحدة لم تدخل اليمن في البداية بالطريقة التي دخلت بها السعودية، لكنها وجدت نفسها لاحقاً مضطرة إلى التعامل مع تهديد ينطلق من اليمن ويؤثر في حركة التجارة الدولية.

وإيران ترى الموقع أيضاً

من منظور إيران، يمثل اليمن نقطة استراتيجية مختلفة عن نقاط نفوذها الأخرى.

فوجود حليف مسلح على الطرف الجنوبي لشبه الجزيرة العربية، بالقرب من السعودية وباب المندب، يضيف بعداً بحرياً إلى شبكة النفوذ الإيرانية في المنطقة. ولذلك فإن قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة أو استهداف خصوم إيران تمنح طهران ورقة استراتيجية إضافية.

لكن مرة أخرى، لا ينبغي تفسير كل تحرك حوثي باعتباره أمراً إيرانياً مباشراً. فالحوثيون لديهم أجندتهم الخاصة، خصوصاً فيما يتعلق بالحرب في غزة ومكانتهم داخل اليمن. لكن التقاطع بين مصالح الطرفين يجعل قدرة الحوثيين على العمل في البحر الأحمر ذات قيمة إقليمية كبيرة لإيران.

المشكلة أن اليمن يدفع الثمن

وهنا تظهر المفارقة المؤلمة.

الموقع الذي يمكن أن يمنح اليمن أهمية اقتصادية واستراتيجية هائلة أصبح، بسبب الحرب، مصدراً إضافياً للخطر. بدلاً من أن تتحول الموانئ والممرات البحرية إلى محركات للتجارة والتنمية، أصبحت أجزاء منها مرتبطة بالحرب والصراع العسكري.

وبدل أن يستفيد اليمن من موقعه بين آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، أصبحت قوى خارجية تتعامل معه باعتباره موقعاً استراتيجياً يجب تأمينه أو السيطرة على نفوذه.

وهذا أحد أسباب صعوبة خروج اليمن من دائرة الصراع. فهناك مصلحة دولية حقيقية في استقرار الممرات البحرية، لكن هذه المصلحة لا تعني بالضرورة أن جميع القوى الخارجية تتفق على الطريقة التي ينبغي أن يحكم بها اليمن.

وهنا نصل إلى نقطة أكثر حساسية: اليمن ليس فقط ضحية للتدخل الخارجي؛ بعض القوى اليمنية نفسها اكتشفت أن امتلاك موقع استراتيجي يمكن أن يمنحها نفوذاً يفوق حجمها الداخلي.

وهذا يفسر جانباً من استمرار قوة الحوثيين. فالحركة التي بدأت كقوة محلية في شمال اليمن أصبحت اليوم طرفاً تستطيع أفعاله التأثير في السعودية وإسرائيل والولايات المتحدة والتجارة العالمية.

لكن القوة الجغرافية لا تكفي لبناء دولة.

وهذا يعيدنا إلى السؤال المركزي للسلسلة: إذا كانت كل هذه القوى قادرة على تحقيق مصالحها من خلال القوة والسلاح والموقع الجغرافي، فما الذي يمكن أن يدفعها فعلاً إلى بناء دولة يمنية مستقرة؟

وهنا ندخل إلى لبّ المسألة في المقال التالي: اقتصاد الحرب.. من المستفيد من استمرار الانقسام اليمني؟

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.