
في عالمٍ تتزاحم فيه الوقائع وتتشابك فيه المصالح، لا يبحث الإنسان دائمًا عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن تفسير يُشبه حاجته إلى اليقين. هنا تحديدًا تنشأ السرديات الكبرى؛ لا كمرآة تعكس الواقع، بل كعدسة تعيد تشكيله. من بروتوكولات حكماء صهيون إلى أحجار على رقعة الشطرنج، لا نتعامل مع نصوصٍ تدّعي كشف العالم فقط، بل مع نماذج فكرية تُعيد ترتيب الفوضى داخل قالبٍ قابل للتصديق. هذه السلسلة لا تنشغل بإثبات صدق تلك الروايات أو زيفها بقدر ما تسعى إلى تفكيك بنيتها: كيف تُبنى؟ ولماذا تبدو مقنعة؟ وكيف تتحول من فكرة إلى طريقة رؤية؟
“هندسة الوهم” ليست قراءة في كتب، بل قراءة في العقل الذي يحتاجها. محاولة لفهم كيف يتحول التعقيد إلى قصة، والصدفة إلى خطة، والتعدد إلى مركز واحد يُدير المشهد. في هذا المسار، لا نقف عند حدود النقد، بل نعيد طرح السؤال الأهم: هل نبحث فعلًا عن الحقيقة… أم عن رواية تمنحنا شعورًا بأن العالم مفهوم؟