
لم يعد العالم يعيش أزمة عابرة يمكن احتواؤها بإجراءات اقتصادية أو إصلاحات نخبويّة محدودة، بل دخل مرحلة تفكك عميق في النموذج الذي حكم النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالأزمة التي تطفو اليوم على السطح في الولايات المتحدة وكندا لا تُفهم بوصفها اختلالات محلية أو دورات ركود عادية، بل باعتبارها أعراضًا لتآكل المركز نفسه، وعجزه المتزايد عن الوفاء بالوعود التي قام عليها سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا.
في هذا السياق، لا تمثل نهاية النموذج الغربي انهيارًا فجائيًا أو سقوطًا دراميًا، بل انتهاء صلاحية تاريخية لصيغة دولة وُلدت في لحظة تفوق استثنائية، ولم تعد قادرة على الاستمرار بالمنطق ذاته في عالم يتغير. ومع تراجع القدرة الغربية على القيادة، لا يظهر في المقابل بديل عالمي متكامل؛ فالصين وروسيا تكسران الهيمنة وتعيدان توزيع القوة، لكنهما لا تقدّمان سردية جامعة ولا نموذجًا إنسانيًا قابلًا للتعميم.