
لم يعد الشك اليوم مرحلة عابرة في طريق المعرفة، بل صار عند قطاعات واسعة حالة دائمة، بل هوية فكرية مكتملة. لا يتعلّق الأمر بحدثٍ بعينه—هبوط القمر، كروية الأرض، اللقاحات، أو المناخ—بل بنمط واحد من التفكير يرى في كل معرفةٍ عامة شبهة، وفي كل إجماعٍ علمي مؤامرة محتملة. هنا لا نناقش صحة الوقائع، بل نسأل: لماذا صار إنكارها ممكنًا، بل جذّابًا؟
الشك القديم: أداة للعبور
في الفلسفة والعلم الكلاسيكيين، كان الشك وسيلة لا غاية.
يشك ديكارت ليصل إلى يقين، ويشك العالم ليحسّن النموذج أو يخطّئ الفرضية. الشك كان مؤقتًا، مشروطًا، وينتهي عندما تتراكم الأدلة. الأهم: كان الشك يفتح على معرفة أعمق، لا يغلق عليها.
الشك المعاصر: هوية مضادة
ما نشهده اليوم مختلف جذريًا. الشك لم يعد يسأل “هل هذا صحيح؟” بل يقول ضمنًا:
“هذا صادر عن نظام، إذًا هو مشكوك فيه.”
وهنا يتحوّل الشك إلى موقف وجودي ثابت، لا ينتظر دليلًا، بل يعيد تفسير كل دليل بوصفه جزءًا من التواطؤ.
لهذا لا تُناقَش الوقائع، بل تُلغى المرجعيات كلها دفعة واحدة.
لماذا هذه القضايا بالذات؟
ليس مصادفة أن تتركّز موجات التشكيك في أمور مثل:
- هبوط الإنسان على القمر
- كروية الأرض
- اللقاحات
- تغيّر المناخ
- تقنيات الاتصالات (5G مثلًا)
كلها قضايا تشترك في ثلاث سمات:
بعيدة عن التجربة اليومية المباشرة
تحتاج وسيطًا معرفيًا (علم، نماذج، مؤسسات)
لا يستطيع الفرد التحقق منها وحده بسهولة
هذا يولّد شعورًا دفينًا بالعجز المعرفي، يتحوّل سريعًا إلى عداء معرفي.
من فقدان الثقة إلى كراهية المعرفة
المسألة ليست “الناس لا تفهم العلم”، بل أن الثقة بالبنى المنتجة للمعرفة تآكلت.
بعد حروب كُذِب فيها، وأزمات صُوِّرت زورًا، ووعود اقتصادية لم تتحقق، نشأ وعي يقول:
إذا خانتنا السلطة سياسيًا، فلماذا لا تخوننا علميًا؟
لكن المشكلة أن هذا التعميم لا يفرّق بين:
- كذب سياسي ظرفي
- ومعرفة تراكمية عابرة للأنظمة والدول والقرون
فيُسقِط الجميع معًا.
المفارقة الكبرى: الشك الانتقائي
المشكك المعاصر:
- يشك في آلاف العلماء عبر قرون
- لكنه يثق بفيديو واحد أو “باحث حر” بلا أي تحقق
- يشك في الأقمار الصناعية
- لكنه يستخدم GPS، والخرائط، والطيران المدني دون تردّد
هذا ليس شكًا عقلانيًا، بل اختيار انتقائي للثقة يخدم سردية مسبقة.
اقتصاد الانتباه وصناعة التشكيك
لا يمكن فصل الظاهرة عن بيئة الإعلام الرقمي.
القول بأن “الأرض مسطحة” أكثر إثارة من شرح الجيوديسيا.
التشكيك يبيع، يلفت الانتباه، ويمنح صاحبه صورة “الذي يرى ما لا يراه الآخرون”.
هكذا يتحوّل التشكيك إلى سلعة رمزية في سوق مكتظ بالضجيج.
الشك بوصفه تعويضًا نفسيًا
في عالم يسلب الأفراد الإحساس بالقيمة والتأثير، يمنحهم الشك شعورًا بالتفوّق المعرفي:
“أنا لست قطيعًا، أنا أفكر.”
حتى لو كان هذا “التفكير” لا ينتج معرفة بديلة، بل نفيًا دائمًا.
بين تفكيك الوصاية والسقوط في العدمية
وهنا نقطة دقيقة لا بد من التمييز فيها:
تفكيك الوصاية المعرفية مشروع مشروع.
لكن الفرق شاسع بين:
- نقد السلطة العلمية
- ونسف فكرة المعرفة المشتركة من أساسها
الأول تحرّر،
والثاني عدمية معرفية تساوي بين التراكم العلمي والخرافة.
الخلاصة: ما الذي يُنكر حقًا؟
في العمق، لا يُنكر المشككون القمر ولا شكل الأرض.
ما يُنكر هو فكرة أن البشرية قادرة على إنتاج معرفة موثوقة خارج الخداع.
نحن لا نعيش أزمة وقائع، بل أزمة ثقة في الإنسان ذاته كمشروع معرفي.
ولهذا يصبح السؤال الحقيقي:
هل مشكلتنا أن “العلم يكذب”؟
أم أننا لم نعد نحتمل فكرة أن هناك حقيقة لا نتحكم بها فرديًا؟