
لم تعد الشهرة، في الفضاء الرقمي المعاصر، نتيجةً طبيعية لعمل إبداعي أو تميّز استثنائي أو أثر إنساني ملموس. نحن نعيش زمن «الإنسان–الترند»، حيث يمكن لحركة عابرة، أو سقطة أخلاقية، أو مشهد مبتذل، أن يحوّل شخصًا عاديًا إلى ظاهرة كونية خلال ساعات. هذا التحول لا يحدث عفويًا، بل تقف خلفه بنية غير مرئية تُدعى «الخوارزمية»، أعادت تعريف القيمة، وأعادت ترتيب معايير النجاح والاعتبار الاجتماعي.
اقتصاد الانتباه: حين تُختزل القيمة في زمن المشاهدة
المنصات الرقمية الكبرى لا تُقيّم المحتوى من حيث معناه أو أثره أو جدواه الاجتماعية. معيارها الوحيد هو الزمن: كم بقي المستخدم؟ كم تفاعل؟ كم أعاد المشاهدة؟
هكذا تحوّل «الانتباه» إلى عملة، وتحولت المنصات إلى أنظمة لاصطياد المشاعر الأولية: الفضول، الصدمة، الاستفزاز، والنفور.
عندما تدفع الخوارزمية بمحتوى هابط إلى الواجهة، فهي لا تمارس حكمًا أخلاقيًا، بل استجابة حسابية بحتة. السخرية، الغضب، الاستنكار، وحتى الرفض الصريح، جميعها تُسجَّل كدلائل نجاح. الخوارزمية لا تفهم السياق ولا النية؛ هي تقيس الكثافة فقط، وتعيد إنتاج ما يحققها.
الشهرة السلبية: من الصعود السريع إلى الفخ الدائم
التحول المفاجئ إلى «ترند» يُقدَّم عادة بوصفه فرصة نادرة، لكنه في جوهره صفقة غير متكافئة. فالشخص لا يربح حضورًا عامًا مستقرًا، بل يدخل في نمط شهرة هشّ، مرتبط بلحظة واحدة قابلة للاستدعاء إلى ما لا نهاية.
هذا النوع من الشهرة لا يُراكم رأس مال رمزي، بل يُثبّت صورة واحدة، غالبًا مشوّهة، تتحول إلى مرجع دائم. هنا لا تعود المسألة مسألة فرد، بل نظام يسمح بتحويل السقوط إلى مورد، والنقيصة إلى نموذج قابل للتكرار.
الخوارزمية: واجهة تقنية لمنظومة اقتصادية أوسع
التعامل مع الخوارزمية على أنها أداة تقنية محايدة يُغفل دورها الحقيقي، لكن التعامل معها كفاعل مستقل بذاته لا يقل تبسيطًا. الخوارزمية ليست عقلًا رقميًا حرًا، بل واجهة تشغيلية لمنظومة اقتصادية أوسع، تقوم على تعظيم الربح الإعلاني، وتسليع الانتباه، وتحويل السلوك البشري إلى بيانات قابلة للبيع.
هي لا «تقرّر» من تلقاء نفسها ما ينتشر، بل تُبرمج منذ البداية لتكافئ ما يطيل زمن الاستخدام، ويزيد كثافة التفاعل، بغضّ النظر عن القيمة أو الأثر. بهذا المعنى، فالخوارزمية ليست مصدر السلطة، بل أداتها الأكثر كفاءة: ذراع تقنية تنفّذ منطق السوق بلا خطاب ولا تبرير.
من السوق إلى الذوق: كيف يُعاد تشكيل الوعي؟
ما يحدث على المنصات ليس انحرافًا تقنيًا، بل نتيجة منطقية لاقتصاد لا يرى في الإنسان سوى مستخدم، ولا في المحتوى سوى وسيلة إبقاء. حين يصبح الربح مرهونًا بالانتباه، يتحول الذوق العام تدريجيًا إلى انعكاس مباشر لمتطلبات السوق، لا لتراكم ثقافي أو نقاش اجتماعي.
بهذا الشكل، لا تُنتج التفاهة لأنها مرغوبة ثقافيًا، بل لأنها مربحة بنيويًا. ولا يُعاد تدوير الابتذال لأنه يعكس المجتمع، بل لأن المنظومة الاقتصادية الرقمية وجدت فيه أعلى عائد بأقل كلفة.
المشاهد الرقمي: بين الاختيار والتوجيه
تحميل الجمهور كامل المسؤولية يفترض وجود حرية اختيار متكافئة، وهو افتراض غير دقيق. المنصات مصممة على التقاط أدق الإشارات السلوكية: التوقف العابر، التمرير البطيء، إعادة النظر. هذه الإشارات تُفسَّر بوصفها اهتمامًا، وتُعاد برمجتها في شكل اقتراحات متزايدة.
بهذا المعنى، لا يُقدَّم المحتوى فقط استجابة لطلب المستخدم، بل يُعاد توجيه انتباهه تدريجيًا بما يخدم منطق المنصة الإعلاني، لا حاجته المعرفية.
خاتمة: نظام يعمل بلا مساءلة
المشهد الرقمي الحالي ليس فوضويًا بقدر ما هو منظم بلا محاسبة. القوانين عاجزة عن التعامل مع أثر ثقافي غير مباشر، والشركات غير معنية بإعادة النظر في نموذج ربحي يقوم أساسًا على تعظيم الانتباه.
بهذا المعنى، فإن لوم الخوارزمية وحدها يُخفي الفاعل الحقيقي خلفها: نموذج اقتصادي عالمي نجح في تحويل الزمن الإنساني إلى مورد، والانتباه إلى سلعة، والفضاء العام إلى سوق مفتوحة بلا ضوابط ثقافية.
في هذا السياق، لا تعكس الصدارة الرقمية أهمية ما يُعرض، بقدر ما تعكس كفاءته في خدمة آلة الانتباه.