
تبدو فكرة «الزواحف المتنكرة في هيئة بشرية» للوهلة الأولى مادة هزلية لا تستحق التوقف، لكن انتشارها الكثيف، وقدرتها على الصمود رغم تفاهتها المنطقية، يكشفان أنها ليست مجرد خرافة عابرة. نحن أمام سردية تؤدي وظيفة محددة: تفسير عالم معقد بطريقة بدائية، وتحويل الإحباط إلى عدوّ غير إنساني. السؤال ليس: هل هي صحيحة؟ بل: لماذا يُصرّ البعض على تصديقها؟
أولًا: ما هي سردية الزواحف المتآمرة؟
تقوم الفكرة على أن:
- نخبًا سياسية واقتصادية وإعلامية ليست بشرًا.
- بل كائنات زاحفة قادمة من بعدٍ آخر أو كوكب آخر.
- تتنكر في صور بشرية وتتحكم بالعالم سرًا.
اللافت هنا ليس غرابة الفكرة، بل بنيتها السردية:
شر مطلق، متخفٍ، لا يمكن التفاهم معه، ولا إخضاعه للمساءلة.
ثانيًا: لماذا هي أسخف… لكنها أخطر؟
1. لأنها تلغي العقل بالكامل
على عكس «المليار الذهبي» أو «الفضائيين»، لا تحاول هذه السردية حتى الادعاء بالعلم.
هي قفزة مباشرة من الجهل إلى اليقين، دون أي منطقة رمادية.
2. لأنها تختزل السلطة في وحش
السلطة هنا ليست:
- نظامًا اقتصاديًا،
- ولا بنية استعمارية،
- ولا شبكة مصالح،
بل كائنًا زاحفًا شريرًا.
وهذا يعفي المتلقي من أي جهد تحليلي.
ثالثًا: الهدف الحقيقي من هذه السردية
1. تبسيط العالم المعقد
حين يصبح الواقع أعقد من أن يُفهم، يُستبدل التحليل بأسطورة.
الزاحف هنا يؤدي وظيفة «الشرح السريع» لكل شيء.
2. نزع الإنسانية عن الخصم
أخطر ما في السردية أنها:
- لا ترى الخصم إنسانًا مخطئًا،
- بل كائنًا غير بشري.
وهذا منطق معروف تاريخيًا في:
- الإبادات،
- العنصرية،
- والتطهير الرمزي.
3. قتل أي إمكانية للتغيير
كيف تغيّر نظامًا إذا كان خصمك ليس بشرًا؟
السردية تخلق عدوًا لا يُهزم إلا بالخلاص الغيبي، لا بالفعل السياسي أو الاجتماعي.
رابعًا: الجمهور المستهدف… ومن ينجذب إليها؟
1. الفاقدون للسيطرة
أفراد يشعرون أن:
- العالم يُدار ضدهم،
- ولا يملكون أدوات الفهم أو التأثير.
الزواحف تمنحهم تفسيرًا جاهزًا.
2. جمهور ما بعد الثقة
من انهارت ثقته:
- بالإعلام،
- بالمؤسسات،
- وبالعلم نفسه.
لكن بدل بناء نقد عقلاني، يلجأ إلى هدم شامل.
3. فئات تعيش على الهامش الرقمي
حيث:
- الخوارزميات تكافئ الغريب والصادم،
- والمحتوى العبثي ينتشر أسرع من التحليل الهادئ.
خامسًا: لماذا تُترك لتنتشر؟
السؤال الأهم: لماذا لا تُحارَب بجدية؟
لأنها:
- تُفرّغ الغضب من مضمونه السياسي.
- تحوّل النقد من الأنظمة إلى كائنات خيالية.
- تجعل أي معارضة تبدو مجنونة.
باختصار:
هي مفيدة للسلطة أكثر مما تضرها.
سادسًا: ما الذي تقوله هذه الأسطورة عن الإنسان؟
أسطورة الزواحف لا تكشف سرّ النخب،
بل تكشف عجز الإنسان عن مواجهة بشر مثله.
حين يصبح الظلم معقّدًا،
والنظام محكمًا،
والهزيمة مزمنة…
يظهر الوحش.
ليس لأنه موجود،
بل لأن العقل لم يعد يحتمل الواقع.
خاتمة: حين يصبح الخيال أداة ضبط
الزواحف المتنكرة ليست مؤامرة حقيقية،
بل بديل رخيص عن التحليل،
ومخدّر يمنح شعورًا زائفًا بالفهم.
فبدل أن نسأل:
كيف تعمل السلطة؟
نسأل:
أي نوع من الكائنات هم؟
وحين نصل إلى هذا السؤال،
نكون قد خرجنا من السياسة…
ودخلنا الأسطورة.