
عندما تُستدعى السماء لتغطية صراعات الأرض
كيف تُسيَّس الأديان لتفكيك المجتمعات لا لتفسير الإيمان
نادراً ما تبدأ الصراعات الكبرى من اختلافٍ عقديّ خالص، وأكثر ندرةً أن تستمر بسببه. ما يبدو في الواجهة “حرب أديان” يكون في العمق صراع مصالح، نفوذ، موارد، أو سيطرة، جرى تلبيسه بلباس المقدّس. فالدين، حين يُنتزع من سياقه الأخلاقي والروحي، يتحول إلى أداة سياسية بالغة الفاعلية، لا لأنه عنيف بطبيعته، بل لأنه قادر على إسكات السؤال، وشحن الجماهير، وتبرير ما لا يُبرَّر.
الدين بوصفه منظومة معنى لا محرّك صراع
الأديان، في أصلها، جاءت لتنظيم العلاقة بين الإنسان وذاته، وبين الإنسان والمجتمع، لا لتقسيم العالم إلى معسكرات قتل. عبر قرون طويلة، تعايشت جماعات دينية متباينة داخل فضاءات واحدة دون أن يتحول الاختلاف اللاهوتي إلى حرب دائمة.
الاختلاف العقدي كان حاضرًا، لكنه لم يكن كافيًا لإنتاج صراع شامل. ما كان ينقصه دائمًا هو السلطة: من يملك قرار التحريض، ومن يملك أدوات العنف، ومن يملك مصلحة مباشرة في الانقسام.
السياسة واكتشاف “قابلية الدين للتسليح”
السياسة، بخلاف الدين، تعمل بمنطق المنفعة لا القيم. وعندما تكتشف السلطة أن خطابها العقلاني لم يعد مقنعًا، تبحث عن لغة بديلة، أكثر اختصارًا وأقل قابلية للنقاش. هنا يظهر الدين كأداة مثالية لأنه:
يمنح الصراع طابعًا أخلاقيًا مطلقًا
يُحوّل الخصم من منافس إلى “عدو وجودي”
يُلغي المنطقة الرمادية، ويُجبر الناس على الاصطفاف
في هذه اللحظة، لا يعود السؤال: من المخطئ؟
بل يصبح: من معنا ومن ضدنا؟
وهي الصيغة المفضلة لكل سلطة تبحث عن الطاعة لا الفهم.
من الصراع السياسي إلى “الواجب المقدّس”
حين يُعاد تعريف النزاع السياسي بوصفه صراعًا دينيًا، تحدث ثلاث تحولات خطيرة:
تقديس العنف: يصبح القتل دفاعًا عن العقيدة لا جريمة.
إلغاء المسؤولية: الفاعل لا يُحاسَب لأنه “ينفّذ إرادة عليا”.
تجميد الوعي: التفكير يُستبدل بالتسليم، والنقد يُساوى بالخيانة.
بهذا، تتحول الأديان من منظومات أخلاقية إلى بنى تعبئة، ويُختزل الإيمان في شعارات، لا في سلوك أو قيم.
فشل السياسة واستدعاء المقدّس
كلما فشلت الأنظمة في تحقيق العدالة أو التنمية أو التماسك الاجتماعي، زادت حاجتها إلى خلق عدو رمزي. الدين هنا لا يُستَخدم لأنه خطر، بل لأنه فعّال.
فالسلطة العاجزة عن إقناع الناس ببرنامجها الاقتصادي، أو مشروعها الوطني، تجد في الخطاب الديني وسيلة لتعليق الفشل على شماعة “الآخر المختلف”، سواء كان طائفة، مذهبًا، أو دينًا آخر.
بهذا المعنى، تديين الصراع ليس قوة النظام، بل علامة ضعفه البنيوي.
هل وُجدت حروب دينية فعلًا؟
ما يُسمّى تاريخيًا “حروبًا دينية” يتفكك سريعًا عند النظر في تفاصيله:
الحروب الصليبية كانت صراع طرق تجارة ونفوذ إمبراطوري.
النزاعات الطائفية الحديثة مرتبطة بحدود رسمها الاستعمار وأنظمة حكم هشّة.
حتى أكثر الصراعات تديّنًا كانت تُدار من نخب سياسية لا رجال دين مستقلين.
الدين كان الخطاب، لا المحرّك. الراية، لا المعركة.
من يدفع الثمن؟
المفارقة أن أكثر من يتضرر من تسييس الدين هم:
- المؤمنون أنفسهم
- النسيج الاجتماعي
- الدين بوصفه قيمة أخلاقية
فعندما يُستخدم الدين لتبرير العنف، يُفرَّغ من معناه، ويتحول من مساحة للطمأنينة إلى مصدر خوف، ومن لغة قيم إلى أداة استقطاب.
الخلاصة: الصراع لا يأتي من السماء
الأديان لا تُنتج الأزمات بين الشعوب بقدر ما تُستَخدم لتغطية أزمات صُنعت سلفًا.
المشكلة ليست في الإيمان، بل في تحويل المقدّس إلى أداة إدارة صراع.
وحين يحدث ذلك، لا ينتصر الدين ولا السياسة، بل تنتصر الفوضى، ويُهزم الإنسان.
الصراع لا يبدأ من السماء، بل من الأرض؛
والسياسة حين تعجز عن إقناع الناس، تستدعي الإله ليقاتل نيابةً عنها.