هندسة الوعي: عالميًا: من أوكرانيا إلى إيران… نفس الأدوات بسرديات مختلفة

قد تبدو الصراعات الدولية منفصلة، لكلٍ منها سياقه وأسبابه،
لكن عند تفكيك طريقة عرضها، يظهر شيء مختلف تمامًا:

الأحداث تتغير…
لكن طريقة تشكيل وعيك بها تكاد تكون واحدة.

من أوكرانيا إلى الخليج،
لا يتم فقط إدارة الصراع…
بل إدارة إدراكك له.

أولًا: أوكرانيا — حين يُبنى الصراع على ثنائية واضحة

في الحرب الروسية الأوكرانية،
تم تقديم الصراع منذ البداية ضمن قالب بسيط:

  • دولة معتدية
  • ودولة ضحية

هذا التبسيط لم يأتِ من فراغ،
بل من اختيار سردي محدد:

  • تجاهل السياق الجيوسياسي السابق
  • تقليل حضور توسع حلف شمال الأطلسي في النقاش
  • التركيز على لحظة “الاجتياح” كبداية مطلقة للقصة

وهنا نلاحظ نفس القاعدة:
اختيار نقطة البداية = تحديد الحكم النهائي


ثانيًا: إعادة تعريف المفاهيم

في هذا النموذج، يتم ضبط اللغة بدقة:

  • “دعم أوكرانيا” = دفاع عن الديمقراطية

  • “الموقف الروسي” = تهديد للنظام العالمي

لكن لو تغيرت الزاوية،
يمكن قراءة نفس المشهد كالتالي:

  • توسع عسكري تدريجي
  • واستجابة أمنية مضادة

إذن، المسألة ليست في الوقائع فقط،
بل في الإطار المفاهيمي الذي توضع فيه.


ثالثًا: إيران — العدو الجاهز دائمًا

في حالة إيران،
نحن أمام نموذج مختلف من هندسة الوعي:

ليس حدثًا طارئًا…
بل صورة ذهنية ممتدة عبر الزمن.

يتم تقديم إيران غالبًا كـ:

  • تهديد دائم
  • مصدر عدم استقرار
  • فاعل غير عقلاني

وهذه الصورة لا تُبنى عبر حدث واحد،
بل عبر تراكم سردي طويل.


رابعًا: الانتقائية في التصعيد والتهدئة

عند أي توتر بين الولايات المتحدة وإيران:

  • يتم تضخيم بعض التحركات
  • وتجاهل تحركات أخرى
  • أو تقديم نفس الفعل بشكل مختلف حسب الفاعل

مثال:

  • خطوة من طرف = “تصعيد خطير”
  • نفس الخطوة من الطرف الآخر = “رد ضروري”

وهنا لا يتم تغيير الحدث،
بل تغيير تقييمه الأخلاقي.


خامسًا: صناعة “التهديد المستمر”

في هذا النموذج، لا يُراد للمتلقي أن يرى نهاية للصراع،
بل أن يعيش في حالة:

  • توتر دائم
  • توقع مستمر للخطر
  • استعداد نفسي لأي تصعيد

وهذا يخدم هدفًا أعمق:
تطبيع الأزمات بحيث تصبح جزءًا من الواقع اليومي


سادسًا: الفرق بين النموذجين… والوحدة الخفية

ظاهريًا:

  • أوكرانيا → صراع واضح، حاد، مباشر
  • إيران → صراع ممتد، ضبابي، غير محسوم

لكن في العمق، الأدوات واحدة:

  • تحديد بداية القصة
  • ضبط اللغة
  • الانتقاء
  • التكرار
  • توجيه العاطفة

الاختلاف فقط في “شكل التطبيق”،
أما البنية نفسها فهي ثابتة.


سابعًا: ما الذي لا يُقال؟

أخطر ما في هندسة الوعي
ليس ما يُعرض…
بل ما يُستبعد تمامًا من النقاش:

  • المصالح الاقتصادية العميقة
  • توازنات القوى الحقيقية
  • حدود القدرة لدى كل طرف

يتم استبدال كل ذلك بسرديات مبسطة،
تُشعر المتلقي أنه يفهم…
بينما هو يرى جزءًا صغيرًا فقط من الصورة.


النتيجة: عالم مفهوم… لكن بشكل خاطئ

في النهاية، يخرج المتلقي بشعور أنه:

  • يتابع
  • يفهم
  • يكوّن رأيًا

لكن في الواقع،
ما لديه هو نسخة مُعاد تشكيلها من الواقع.

ليست كاذبة بالكامل،
لكنها ليست كاملة…
ولا محايدة.


خاتمة: النمط الذي لا يتغير

عندما تتكرر نفس الآليات في كل صراع،
يصبح واضحًا أن القضية ليست في الأحداث نفسها،
بل في طريقة إدارتها إدراكيًا.

العالم لا يُعاد تشكيله فقط عبر الحروب…
بل عبر القصص التي تُروى عن هذه الحروب.

ومن يفهم هذا،
لا يسأل فقط: “من على حق؟”
بل يسأل أولًا:
كيف تم بناء هذا السؤال أصلًا؟

سلسلة: هندسة الوعي: كيف يصنع الإدراك للعالم

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.