هندسة الحروب: كيف تُصنع الهزيمة على شكل انتصار؟

قراءة تفكيكية في انسحاب السوفيات من أفغانستان

ليست كل الهزائم تُعلن هزائم، وبعض الانسحابات تُقدَّم بوصفها انتصارات مكتملة. في الحروب الحديثة، لا تُحسم النتائج فقط في الميدان، بل تُعاد صياغتها في الخطاب السياسي. وما جرى في الحرب السوفيتية في أفغانستان ليس مجرد انسحاب عسكري، بل نموذج كلاسيكي لكيفية إعادة تعريف الفشل حتى يبدو كأنه نجاح. هنا لا نقرأ الحدث كما قيل، بل كما انتهى فعليًا.

إعادة تعريف الهدف: البداية الحقيقية للخداع

حين دخل الاتحاد السوفيتي أفغانستان، لم يعلن أنه ذاهب إلى حرب مفتوحة، بل إلى “مهمة دعم”.
دعم حكومة حليفة، تثبيت نظام، ومنع الانهيار.

لكن هذه الصياغة بذاتها كانت مفتاحًا لاحقًا للخروج:
إذا كان الهدف “الدعم”، فمتى نقول إنه تحقق؟
لا يوجد معيار واضح.

وهنا تكمن أول ثغرة:
الأهداف غير المحددة بدقة تسمح بإعادة تعريفها لاحقًا دون الاعتراف بالفشل.


الميدان: حرب لا يمكن كسبها

على الأرض، لم يواجه السوفييت جيشًا تقليديًا يمكن هزيمته، بل نمطًا مختلفًا:

  • حرب عصابات مرنة
  • تضاريس قاسية
  • دعم خارجي مستمر من الولايات المتحدة وباكستان

النتيجة لم تكن هزيمة مباشرة، بل ما هو أخطر: استنزاف بلا نهاية

وهنا يظهر التحول الحاسم:
القوة العظمى لا تُهزم فجأة… بل تُستنزف حتى تعيد حساباتها.


لحظة الاعتراف غير المعلن

مع وصول ميخائيل غورباتشوف، تغيّر التوصيف الداخلي للحرب.
لم تعد “مهمة دولية”، بل أصبحت عبئًا استراتيجيًا.

لكنه لم يعلن ذلك للشعوب بهذا الوضوح.

بل حدث شيء أدق:

  • في الداخل: اعتراف ضمني بالفشل
  • في الخارج: إعادة صياغة الرواية

وهذا هو جوهر “صناعة الانتصار الوهمي”.


الانسحاب: حين يُعاد تعريف النجاح

عندما قرر السوفييت الانسحاب، لم يقولوا:

فشلنا في حسم الحرب

بل قالوا:

لقد أنجزنا مهمتنا، والحكومة الأفغانية قادرة على الاستمرار

هذا التحول ليس بريئًا، بل مدروس:

  • تم تقليص الهدف من “حسم الصراع” إلى “دعم مؤقت”
  • ثم إعلان أن هذا الدعم تحقق

أي أن: الهدف تغيّر… لكي لا يبدو أنه فشل


الواقع بعد الخطاب: الحقيقة التي لا تُعلن

لو تجاهلنا التصريحات ونظرنا للنتائج:

  • المقاومة لم تُهزم
  • الاستقرار لم يتحقق
  • النظام المدعوم سقط لاحقًا

بمعنى آخر: كل المؤشرات الاستراتيجية تقول إن الأهداف الكبرى لم تتحقق.

لكن الخطاب الرسمي لا يُقاس بالنتائج، بل بالقدرة على إدارة الانطباع.


هذا ليس استثناءً… بل قاعدة

ما حدث في أفغانستان تكرر في نماذج أخرى، أبرزها حرب فيتنام:

  • قوة عظمى تدخل بهدف واضح
  • تفشل في الحسم
  • تعيد تعريف الهدف
  • ثم تنسحب تحت عنوان “تحقيق المهمة”

بل إن النمط نفسه ظهر لاحقًا مع انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان عام 2021، مع اختلاف الخطاب لا الجوهر.


هندسة الوعي: كيف تُقبل الهزيمة؟

السؤال الأهم ليس: لماذا انسحبوا؟
بل: لماذا قُبل هذا الانسحاب كأنه “طبيعي” أو “منطقي”؟

الجواب يكمن في ثلاث أدوات:

1. ضبابية الأهداف

عندما لا يعرف الجمهور الهدف بدقة، يمكن إقناعه بأنه تحقق.

2. التحكم في السرد

الإعلام لا يقول “فشلنا”، بل يقول:
“أنهينا المهمة وفق الخطة”.

3. الزمن كأداة نسيان

مع الوقت، تختفي الأسئلة، ويبقى العنوان فقط.


الخلاصة: الانتصار كمنتج سياسي

الانسحاب السوفيتي من أفغانستان لم يكن انتصارًا عسكريًا، ولا هزيمة معلنة، بل شيء بينهما:
هزيمة مُدارة بعناية

وهنا تظهر الحقيقة الأهم:
في الحروب الحديثة، لا يكفي أن تربح أو تخسر…
بل يجب أن تُقنع الآخرين بما حدث.

فالانتصار، في كثير من الأحيان،
ليس ما يحدث في الميدان…
بل ما يُقال عنه بعد ذلك.

سلسلة: هندسة الحروب أم هندسة العالم؟

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.