
أولًا: حرب أوكرانيا… من ديناميكية تصادم إلى ديناميكية إدارة
الحرب في أوكرانيا لم تتوقف، لكنها انتقلت من منطق التحولات الفجائية إلى إدارة مسار طويل. جولات الحوار بين الولايات المتحدة، روسيا وأوكرانيا عقدت في أبوظبي بداية 2026 كمحاولة لوضع معايير لإنهاء الصراع، وهو مؤشر على تحول نحو بحث عن إطار سياسي متفق عليه بدل حسم عسكري فوري.
لكن فشل المبادرات في تحديد مسار واضح للسلام يعكس واقعًا مهمًا: الصراع نفسه أصبح قيدًا يعيد توزيع القوى ويغيّر التوازنات. تحليل حديث يشير إلى أن الصراع أوجد ثوابت جديدة صعبة التراجع أكثر منها نقاط انفجار، ويُحتّم أن أي إنهاء يتطلب إرهاقًا استراتيجيًا حقيقيًا لدى الأطراف، وهو ما لم يتحقق بعد.
ثانيًا: تحالفات متجددة… موسكو–بكين نموذجًا
الرهان الغربي على عزل روسيا لم يصب في هدفه بالكامل؛ العلاقة بين الصين وروسيا تتجاوز مجرد تقاطع مصالح طارئ، لتبدو كـ شراكة استراتيجية وثيقة رغم اختلاف المصالح، وهذا يشمل التعاون الاقتصادي والسياسي.
التركيز ينقلنا من قراءة الصراع كتنافر فوري إلى قراءة ترابط استراتيجي بطيء يعيد إعداد موازين النفوذ في القطب الأوراسي ويحدّ من قدرة القوى الغربية على فرض معايير موحّدة للعقوبات أو العزلة.
ثالثًا: أوروبا بين موقفها من الحرب وهويتها الاستراتيجية
أوروبا تشهد نقاشًا داخليًا عميقًا حول دورها في النظام الدولي:
- هناك جهود لرفع الإنفاق الدفاعي وتنسيق سياسات أمنية أكثر استقلالًا عن واشنطن.
- هناك صراع بين من يرى ضرورة الاعتماد الأمريكي التقليدي ومن يدعو إلى استقلال استراتيجي أوروبي.
في الوقت نفسه، تبقى أوروبا ميدانًا تتصارع فيه القوى الكبرى على النفوذ، بدل أن تكون لاعبًا موحدًا في إدارة الصراعات.
هكذا، أوروبا لا تنتظر حدثًا خارجًا لإعادة تعريف دورها… بل تعمل على بناء مناهج جديدة لإدارتها الذاتية.
رابعًا: إعادة هندسة الاقتصاد العالمي
التحولات الاقتصادية لا تأتي دائمًا عن انهيارات درامية، بل غالبًا بابتعاد تدريجي عن نماذج قديمة وترسيخ نماذج جديدة:
- الدول توسّع شبكات التجارة الخاصة بها، بمعايير أقل اعتمادًا على النظام القديم.
- شركات وأسواق تحوّل استراتيجياتها طبقًا لمخاطر جيوسياسية جديدة.
تنظيمات مثل مؤشر القوة الناعمة تشير إلى تغيرات في الوزن النسبي للدول ليس فقط عبر القوة العسكرية بل عبر نفوذها غير القسري في الاقتصاد والثقافة العالمية، مما يعيد رسم السلم الدولي ببطء وبقوة استراتيجية مخفية.
خامسًا: إدارة الأزمات… من انفجار إلى تشابك
النهج الدولي اليوم يتجه نحو التقليل من احتمالات التفجير الشامل عبر إدارة متدرجة للأزمات:
- من الحرب في أوكرانيا إلى التوتر مع إيران.
- من المنافسة الأمريكية–الصينية إلى نقاشات حول استقلالية أوروبا.
- من إعادة تشكيل التحالفات إلى بحث عن آليات تنفيذية واقعية لمساحات النفوذ.
هذه ليست أزمات تُحلّ في صفقة واحدة، بل سلسلة تراكمات تُعيد رسم شبكة العلاقات الدولية.
سادسًا: التكنولوجيا كنقطة ثقل جديدة
لم يعد التنافس محصورًا في السلاح أو الجغرافيا فقط، بل امتدّ إلى التحكم بالمنظومات الحيوية مثل الذكاء الاصطناعي والرقميات، التي بوسعها أن تعيد تشكيل مراكز القوة دون حرب تقليدية. دراسة أكاديمية تؤكد أن أدوات مثل الذكاء التوليدي وبيانات الشبكات أصبحت أصولًا استراتيجية في سباق النفوذ العالمي، وأن المنافسة فيها تعيد توزيع السلطة على نحو أعمق من كثير من الملفات التقليدية.
الخلاصة: سكون الأمواج الظاهرة لا يعني استقرار القاع
السياق الدولي الآن ليس سكونًا، بل تعيد القوى الكبرى رسم اللوحة الدولية عبر تراكمات استراتيجية. لا نشهد أحداثًا تهز العالم في لحظة واحدة، لكننا نرى شبكات نفوذ تُبنى، تحالفات تتماسك أو تعيد صياغتها، وتقنيات جديدة تتحوّل إلى أصول قادرة على إعادة تشكيل قواعد اللعبة.
اليوم، التحولات لا تُقاس بصفقات أو حروب فورية، بل بتراكمات تتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد، والجغرافيا مع التكنولوجيا، والهيمنة مع التعاون.
وهنا يبقى السؤال الأكبر مفتوحًا:
هل هذا التحول البطيء يمهّد لتعدد أقطاب عالمي أكثر استقرارًا؟
أم أنه يمهّد لخطوة جيوسياسية كبيرة ستأتي عندما تكتمل قواعد اللعبة؟