هذا المقال لا يتبنى خطابًا تعبويًا، ولا يسعى إلى تقليل شأن المبادرات الشعبية؛ بل يحاول احترامها عبر إخضاعها للفحص الجاد، لأن الجهد الذي لا يُفكك لا يتطور.
الاعتراف بالقيمة قبل نقاش الجدوى
المقاطعة ليست رقمًا في تقرير مالي، بل تعبير عن ضمير جمعي يحاول استعادة قدر من الفاعلية الفردية في عالم اقتصادي شديد التعقيد.
حتى لو كان الأثر المالي متفاوتًا، فإن الفعل ذاته يحمل رسالة سياسية وأخلاقية واضحة: الاستهلاك ليس محايدًا بالكامل.
هذا المعنى الرمزي مهم، ولا ينبغي تبسيطه أو السخرية منه. لكن احترام الدافع لا يُغني عن سؤال الأثر، بل يجعله أكثر إلحاحًا.
ماذا حدث اقتصاديًا؟
تعرضت شركات مثل McDonald's وStarbucks لانخفاضات ملحوظة في بعض الأسواق ذات الحساسية السياسية المرتفعة، خصوصًا في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا. في المقابل، لم تكن الصورة متطابقة في أسواق أخرى أقل تفاعلًا مع الحدث.
هذه المفارقة تكشف طبيعة الشركات متعددة الجنسيات:
تنوع جغرافي في الإيرادات، سيولة مالية عالية، وقدرة على إعادة التوازن بين الأسواق.
لم يحدث انهيار عالمي، لكن حدث اضطراب إقليمي حقيقي.
ولم تختفِ العلامات الكبرى، لكنها واجهت ضغطًا في مناطق محددة وأُعيد النظر في صورتها لدى شرائح من الجمهور.
النتيجة ليست صفرًا، وليست حاسمة. إنها منطقة بين الاثنين.
عدم الكفاية لا تعني اللاجدوى
أحد مصادر الحساسية في هذا النقاش هو الخلط بين مفهومين مختلفين:
- اللاجدوى: غياب التأثير بالكامل.
- عدم الكفاية: وجود تأثير، لكنه غير كافٍ وحده لإحداث تغيير بنيوي.
المقاطعة، في أغلب السياقات المعولمة، أقرب إلى الحالة الثانية.
هي تؤثر، لكنها لا تحسم.
هذا التمييز ضروري، لأنه يحمي المبادرة من وهمين متناقضين: وهم الانتصار الكامل، ووهم العبث الكامل. وبين هذين الوهمين تضيع القراءة الواقعية.
بنيوية العوائق… وتوسيع دائرة الأثر
ومع ذلك، فإن الطموح الاستراتيجي للمقاطعة يواجه تعقيدات بنيوية في السوق المحلية تستحق التأمل. فالكثير من الفروع تعمل عبر وكلاء وامتيازات وطنية، ما يجعل الأثر الاقتصادي المباشر يقع جزئيًا على رأس مال محلي، في حين يبقى مركز القرار في بنية عالمية أوسع. هذه المفارقة لا تُبطل قيمة الفعل الأخلاقي، لكنها تدعو إلى التفكير في كيفية توجيه الضغط بحيث يحقق أثرًا أوسع وأدق في آن واحد.
كما تبرز مسألة البديل المحلي، ليس فقط من زاوية جودة المنتج، بل من زاوية المنظومة التقنية والمعرفية التي تضمن استدامة الإنتاج وكفاءة التوزيع. فتعزيز البديل يتطلب استثمارًا في المعرفة وسلاسل القيمة، حتى يتحول الوعي الاستهلاكي إلى قوة اقتصادية مستقرة.
بهذا المعنى، لا تُختزل المقاطعة في كونها رد فعل عاطفي، بل يمكن أن تصبح خطوة أولى ضمن مسار أطول يدمج بين الحس الأخلاقي والبناء الاقتصادي.
من الوعي إلى البنية
التحول الأهم ربما لم يكن في القوائم المالية، بل في الإدراك العام.
شريحة أوسع من الناس باتت ترى العلاقة بين السوق والسياسة بوضوح أكبر.
لكن السؤال المفصلي يبقى:
هل سيتحول هذا الوعي إلى استثمار في بدائل، وبناء منظومات إنتاج محلية أكثر استقلالًا؟
أم سيظل مرتبطًا بحدث محدد ثم يتراجع بزواله؟
الإجابة لا تتعلق بصواب المقاطعة أو خطئها، بل بقدرتها على الانتقال من الفعل الرمزي إلى البنية المستدامة.
احترام الجهد عبر تطويره
احترام المبادرات الشعبية لا يكون بمجاملة أثرها، بل بتعظيمه.
وتعظيم الأثر لا يتحقق إلا بفهم حدوده.
النقد هنا ليس سحبًا للشرعية، بل محاولة لحمايتها من المبالغة التي قد تولّد إحباطًا لاحقًا. كما أنه ليس دعوة للتراجع، بل دعوة لتوسيع الأدوات.
المقاطعة، بهذا الفهم، ليست نهاية المسار ولا عبثًا رمزيًا؛
هي أداة ضمن أدوات. قد ترفع الكلفة، قد تؤثر في الصورة، وقد تفتح بابًا لوعي جديد.
لكن إن أُريد لها أن تُثمر أثرًا أعمق، فلا بد من ربطها ببناء بدائل، واستدامة الزخم، وتحويل الضغط الأخلاقي إلى مسارات اقتصادية ومؤسسية طويلة الأمد.