لم يعد السؤال في الاقتصاد المعاصر: من يبتكر أكثر؟
بل: من يملك حق تحديد متى يُطلق الابتكار، ومتى يُؤجَّل، ومتى يُدفن؟
في الرأسمالية الصناعية، كان التقدم التقني ضرورة تنافسية.
أما في الرأسمالية المالية المعولمة، فقد أصبح الابتكار أصلًا ماليًا يُدار ضمن محفظة استثمارية، لا قوة اجتماعية تُطلق بلا قيود.
التحول لم يكن أخلاقيًا… بل بنيويًا يعيد تعريف معنى التقدم ذاته.
أولاً: من المصنع إلى شاشة البورصة
الرأسمالية الكلاسيكية تمحورت حول الإنتاج والتوسع الصناعي.
اليوم، مركز الثقل انتقل إلى سوق الأسهم.
منذ صعود عقيدة “تعظيم قيمة المساهم”، أصبحت الإدارة التنفيذية تُقاس بقدرتها على رفع سعر السهم، لا بقدرتها على إحداث تحول صناعي جذري.
صناديق عملاقة مثل BlackRock وVanguard Group تمتلك حصصًا مؤثرة في آلاف الشركات المتنافسة داخل القطاع الواحد.
الملكية هنا متشابكة، والمنافسة تصبح سطحية.
إذا كان المستثمر ذاته شريكًا في جميع اللاعبين، فالحافز لتدمير نموذج قائم يتراجع.
الاستقرار المالي يغدو أولوية أعلى من القفزة الثورية.
ثانيًا: الابتكار كخطر على الأصول المُسعَّرة
القيمة السوقية للشركات مبنية على توقعات الاستقرار والتدفقات النقدية القابلة للتنبؤ.
ابتكار جذري قد يُسقط أصولًا قائمة، ويُربك سلاسل إمداد، ويدخل الشركة في سنوات انتقالية من عدم اليقين.
سوق المال لا يكافئ الفوضى، حتى لو كانت فوضى خلاقة.
النتيجة أن الابتكار يُفضَّل أن يكون تدريجيًا، محسوبًا، قابلًا للنمذجة المالية.
ليس كل ما هو ممكن تقنيًا يُطلق فورًا،
بل ما يمكن إدراجه ضمن جدول أرباح متوقَّع.
ثالثًا: الاحتكار كآلية استقرار لا انحراف
الاستحواذ على الشركات الناشئة لا يُمارس فقط بدافع الجشع، بل كأداة لحماية تقييمات بمليارات الدولارات.
إبطاء تقنية واعدة قد يكون قرارًا عقلانيًا ضمن منطق إدارة المخاطر.
المشكلة ليست في أخلاق المديرين،
بل في بنية الحوافز التي تكافئ حماية الأصل القائم أكثر مما تكافئ هدمه.
الابتكار الذي يهدد النموذج الربحي السائد يتحول من فرصة إلى عبء.
رابعًا: حين يتقاطع رأس المال مع الدولة
الصراع التكنولوجي بين القوى الكبرى ليس سباق اختراعات فحسب، بل صراع على التحكم في البنية التحتية للمستقبل.
شركات مثل NVIDIA أصبحت جزءًا من معادلة استراتيجية تتجاوز الربح، في ظل قيود تصدير أمريكية على الرقائق المتقدمة.
وكذلك تلعب شركات مثل ASML دورًا حاسمًا في رسم حدود القدرة التصنيعية العالمية.
هنا لا تعمل السوق بمعزل عن السياسة.
الدولة تسعى إلى حماية التفوق الاستراتيجي،
والشركة تسعى إلى حماية تقييمها السوقي،
والنظام المالي يسعى إلى تجنب صدمة تعيد تسعير أصول بمئات المليارات.
النتيجة: إدارة دقيقة لسرعة انتشار التكنولوجيا.
خامسًا: السيادة بوصفها تحكمًا في الزمن
في القرن العشرين، كانت السيادة تعني امتلاك السلاح.
اليوم، تعني امتلاك القدرة على تسريع أو إبطاء التكنولوجيا.
من يتحكم في سلاسل الرقائق، وأنظمة التشغيل، والبنية الرقمية، لا يملك المنتج فقط، بل يملك الإيقاع.
الزمن نفسه يصبح أداة قوة.
والابتكار يتحول إلى ملف استراتيجي يُفتح ويُغلق وفق توازنات دقيقة.
سادسًا: الرأسمالية المالية… هل أصبحت عائقًا ذاتيًا؟
المفارقة أن النظام الذي قاد الثورة التكنولوجية لعقود، قد يجد نفسه مقيدًا بمنطقه الداخلي.
الاعتماد المفرط على تقييمات السوق، والخوف من اهتزاز المؤشرات، قد يجعل التحول الجذري مخاطرة غير مرغوبة.
في المقابل، أنظمة أقل ارتباطًا بضغوط أسواق المال قد تتحمل كلفة انتقالية أعلى مقابل مكاسب استراتيجية بعيدة المدى.
السؤال هنا لا يتعلق بالأخلاق أو الكفاءة،
بل بقدرة النظام على تحمّل الصدمة.
خاتمة: من يملك حق تحديد سرعة المستقبل؟
الابتكار لم يعد مجرد نتاج مختبرات،
بل عنصرًا في معادلة مالية–جيوسياسية معقدة.
يُطلق عندما يخدم الاستقرار القائم.
ويُبطأ عندما يهدد إعادة توزيع القوة.
ويُدار توقيته كما تُدار أسعار الفائدة أو تدفقات السيولة.
المشكلة ليست أن النظام فشل في الابتكار،
بل أنه نجح في تحويله إلى أصل مالي قابل للإدارة.
وحين يصبح المستقبل بندًا في تقرير الأرباح،
فإن السؤال الجوهري لا يكون: لماذا لا نتقدم أسرع؟
بل: من يملك حق تحديد سرعة تقدم العالم؟