لم تكن الأحداث الأخيرة مجرد اختبار سياسي عابر، بل كانت لحظة كاشفة لطبقات عميقة في بنية الوعي العربي، خصوصًا لدى التيار العلماني. فحين خرج الخطاب الصهيوني من عباءته “الحداثية” ليُعلن نفسه بلغة توراتية صريحة، لم يكن السؤال عن إسرائيل وحدها، بل عن صورة العالم التي تشكّلت في أذهان كثير من النخب العربية. هنا، لم تهتز الوقائع بقدر ما اهتزت التفسيرات.
أولًا: صدمة النموذج… حين يخون الواقع النظرية
بنى جزء معتبر من التيار العلماني العربي تصوراته على فرضية أن العالم الحديث قد تجاوز الدين في إدارة الصراعات، وأن السياسة تُدار بلغة المصالح البحتة. لكن ما ظهر في خطاب شخصيات مثل بنيامين نتنياهو لم يكن مجرد انزلاق لغوي، بل توظيف مكثف للرمزية الدينية في قلب القرار السياسي.
هذه اللحظة لم تُسقط الفكرة، لكنها كسرت وهمًا مركزياً:
أن الحداثة تعني بالضرورة حيادًا تجاه الدين.
ثانيًا: العلمانية العربية… بين الفكرة المستوردة والتطبيق المشوّه
المشكلة لم تكن يومًا في العلمانية بوصفها إطارًا نظريًا لتنظيم العلاقة بين الدين والدولة، بل في كيفية تمثّلها عربيًا.
فقد جرى استيرادها في كثير من الأحيان كـ:
- موقف أيديولوجي حاد ضد الدين
- لا كأداة تنظيمية لضبط المجال العام
هذا التحول جعلها:
- تبدو وكأنها “نقيض للهوية” لا “آلية إدارة”
- وتفقد مرونتها أمام تعقيدات الواقع
وعندما اصطدمت هذه النسخة بالواقع—حيث تُستخدم الرموز الدينية في أكثر الدول ادعاءً للحداثة—ظهر التناقض فجأة، لا لأن الواقع تغيّر، بل لأن القراءة كانت ناقصة.
ثالثًا: ارتباك النخبة… صمت أم إعادة تموضع؟
يمكن ملاحظة ثلاث استجابات داخل التيار العلماني العربي بعد الأحداث:
1) الصمت الحذر
فئة اختارت تجاهل التناقض، وكأن شيئًا لم يحدث.
وهذا ليس موقفًا بقدر ما هو هروب من المراجعة.
2) التبرير الانتقائي
فئة أخرى حاولت تفسير الخطاب الديني الصهيوني باعتباره:
- “أداة تعبئة ظرفية”
- لا تعكس جوهر المشروع
لكن هذا التفسير يتجاهل أن التوظيف نفسه هو جزء من البنية، لا استثناء طارئ.
3) المراجعة الخجولة
وهذه أقلية بدأت تدرك أن الإشكال أعمق:
- ليس في الدين
- بل في ازدواجية المعايير في توظيفه
رابعًا: ما الذي سقط فعلًا؟
ليس من الدقة القول إن “العلمانية سقطت”، لكن الذي سقط بوضوح هو:
1) وهم الحياد الغربي
اتضح أن الدول التي ترفع شعار الفصل بين الدين والسياسة، لا تتردد في كسره عندما يخدم مصالحها.
2) وهم الاتساق الأخلاقي
لم يعد ممكنًا الدفاع عن خطاب عالمي يرفض الدين في السياسة هنا، ويبرره هناك.
3) وهم النقل الحرفي
سقطت فكرة أن بالإمكان استنساخ نموذج فكري من سياق تاريخي مختلف، وتطبيقه كما هو دون تعديل.
خامسًا: نحو فهم أكثر واقعية
ما تكشف اليوم يفرض إعادة صياغة السؤال من جذوره:
ليس:
هل العلمانية صحيحة أم خاطئة؟
بل:
- كيف تُستخدم؟
- ومن يملك حق تعريفها؟
- ولماذا تتحول من مبدأ إلى أداة حسب السياق؟
الواقع يبيّن أن:
- الدين لم يغادر السياسة
- والعلمانية لم تكن يومًا حيادية بالكامل
- والنخب التي لم تُدرك ذلك، وجدت نفسها اليوم أمام تناقض لا يمكن تجاهله
الخاتمة
الأحداث الأخيرة لم تُسقط العلمانية كفكرة، لكنها نزعت عنها هالة البراءة التي أحاطت بها في الخطاب العربي. لقد كشفت أن المشكلة ليست في وجود الدين داخل السياسة أو خارجها، بل في من يملك سلطة توظيفه، وكيف يُمنح الشرعية لذلك التوظيف.
أما التيار العلماني العربي، فهو اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما الاستمرار في إنكار التناقضات، أو الدخول في مراجعة حقيقية تعيد تعريف موقعه من الواقع، لا من الصورة التي كان يتخيلها عنه.