حين يصبح اللا انتصار استراتيجية: من يربح الحرب الطويل في أوكرانيا؟

في الحرب الروسية الأوكرانية، لم يعد السؤال: من سينتصر؟ بل: هل كان الانتصار هدفًا أصلًا؟ فمع مرور الوقت، تلاشى وهم الحسم السريع، وتحولت الحرب إلى نموذج مختلف، حيث لا يُقاس النجاح بالسيطرة الكاملة، بل بالقدرة على الاستمرار. هنا تتغير القواعد: ما يبدو فشلًا في الظاهر، قد يكون إعادة تعريف للنصر نفسه.

من الحسم إلى الاستنزاف: التحول الصامت

في بدايات الحرب، راهنت روسيا على ضربة سريعة تنهي المعادلة.
وفي المقابل، اعتقدت أوكرانيا أن الدعم الغربي سيُترجم إلى استعادة متسارعة للأراضي.

لكن ما حدث فعليًا:

  • لا روسيا حسمت
  • ولا أوكرانيا استعادت بالكامل
  • بل تحولت الجبهة إلى حالة شبه ثابتة

هذا التحول لم يكن قرارًا معلنًا… بل نتيجة اصطدام الجميع بحدود القوة.


روسيا: إدارة الفشل كنجاح

بعد تعثر البداية، لم تنكسر روسيا… بل أعادت تعريف هدفها:

  • بدل الحسم السريع → استنزاف طويل
  • بدل السيطرة الكاملة → تثبيت واقع ميداني
  • بدل المفاجأة → الاعتماد على الوقت

روسيا لا تحتاج أن تنتصر بسرعة…
يكفي أن تمنع خصومها من الانتصار.

وهنا يتحول الزمن من عدو إلى حليف.


أوكرانيا: البقاء بدل الاستعادة

بالنسبة لـ أوكرانيا، الهدف المعلن هو استعادة الأرض،
لكن الواقع فرض هدفًا أعمق:

  • الحفاظ على الدولة
  • استمرار الدعم الخارجي
  • منع الانهيار

المشكلة أن:

  • الزمن يستهلك الموارد
  • الحرب الطويلة تضعف الداخل
  • الاعتماد على الخارج يتضخم

بمعنى صريح:
أوكرانيا تقاتل لتبقى… لا لتحسم


الغرب: حرب بلا حرب

دول حلف شمال الأطلسي، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تخوض المعركة بطريقة مختلفة:

  • لا جنود على الأرض
  • لكن دعم عسكري واستخباراتي واسع
  • ضغط اقتصادي مستمر على روسيا

الهدف غير المعلن:

  • إنهاك روسيا
  • تقليص قدرتها على التوسع
  • إعادة ضبط ميزان القوة العالمي

هذه حرب تُخاض دون أن تُعلن كحرب مباشرة


أوروبا: في قلب الأزمة دون قرار

تقف دول الاتحاد الأوروبي في موقع معقد:

  • تدعم أوكرانيا سياسيًا وعسكريًا

  • لكنها تتحمل:

    • تبعات اقتصادية

    • أزمة طاقة

    • ضغوط داخلية

هي ليست صاحبة القرار الكامل…
ولا قادرة على الانسحاب من المعادلة.


الرابح الصامت: اقتصاد الحرب

بعيدًا عن الدول، هناك من لا يظهر في العناوين:

  • شركات السلاح:
    طلبات متزايدة، عقود طويلة الأمد

  • قطاع الطاقة:
    إعادة تشكيل الأسواق وطرق الإمداد

في هذا المستوى،
استمرار الحرب ليس مشكلة… بل فرصة


اللاانتصار كاستراتيجية

ما نراه اليوم ليس تعثرًا فقط… بل نمطًا جديدًا:

  • لا أحد قادر على الحسم
  • ولا أحد مستعد للتراجع
  • والحرب تستمر لأنها تخدم أهدافًا غير مباشرة

هنا يظهر مفهوم خطير:
إدارة الصراع بدل إنهائه


الخلاصة: من يربح فعلاً؟

إذا كان النصر يعني إنهاء الحرب، فلا أحد منتصر.
لكن إذا كان يعني تحقيق أهداف جزئية مع استمرار الصراع:

  • روسيا تربح بإطالة أمد المواجهة
  • أوكرانيا تربح بالبقاء
  • الولايات المتحدة تربح باستنزاف خصمها دون مواجهة مباشرة
  • الاتحاد الأوروبي يدفع التكلفة
  • والاقتصاد المرتبط بالحرب يزدهر


الفكرة الأخيرة

في الحروب الحديثة، قد لا يكون الهدف هو النصر…
بل منع الآخرين من الانتصار.

أخطر ما في هذه الحرب ليس من سيكسبها…
بل أنها قد تستمر لأنها مفيدة للجميع بدرجات مختلفة

+

إرسال تعليق

أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.