
لا تبدأ الحروب في الميدان، بل في الوعي. قبل أي عقوبات أو تدخل أو تصعيد، تُبنى رواية تُحدد من هو “العدو” ومن يستحق الضغط أو الاستهداف. الإعلام هنا لا يعمل كناقل محايد للأحداث، بل كفاعل أساسي في تشكيل الإدراك العام وتوجيهه. في هذا السياق، لا تُصنع السياسات فقط في مراكز القرار، بل تُمهّد لها عبر خطاب إعلامي يخلق القبول، ويعيد تعريف الصراع بما يخدم أهدافًا أعمق من مجرد نقل الخبر.
أولًا: من نقل الواقع إلى تشكيله
في صورته التقليدية، يُفترض أن الإعلام:
- ينقل الأحداث
- يعرض وجهات النظر
- يتيح الفهم
لكن في الواقع، يتحول إلى:
أداة لإعادة صياغة الواقع نفسه
ليس عبر الكذب المباشر دائمًا،
بل عبر:
- اختيار ما يُعرض
- وكيف يُعرض
- ومتى يُعرض
ثانيًا: صناعة “العدو”
أي صراع يحتاج إلى:
صورة واضحة للخصم
وهنا يبدأ بناء هذه الصورة عبر:
- التركيز على أخطاء محددة
- تضخيم ممارسات معينة
- تجاهل سياقات أخرى
- استخدام لغة أخلاقية حادة
النتيجة:
تحويل طرف معقد إلى “رمز بسيط للشر”
ثالثًا: التبسيط كأداة
الواقع الدولي معقد،
لكن الخطاب الإعلامي يميل إلى:
- تبسيط الصراعات
- اختزالها في ثنائيات
(خير / شر – ضحية / معتدي)
هذا التبسيط:
- يسهل الفهم
- لكنه يخفي التعقيد الحقيقي
وبالتالي:
يسهل تمرير قرارات كبيرة دون نقاش عميق
رابعًا: تهيئة الرأي العام
قبل أي خطوة كبرى:
- تدخل عسكري
- فرض عقوبات
- تصعيد سياسي
يتم:
- تكرار سردية معينة
- تضخيم خطر محدد
- خلق شعور بالضرورة
حتى يصل الجمهور إلى نقطة:
تقبل القرار… بل والمطالبة به أحيانًا
خامسًا: الانتقائية في التغطية
ليس كل حدث يُغطى بنفس الطريقة:
- بعض الأزمات تحظى بتركيز واسع
- أخرى تُهمَّش أو تُتجاهل
وهذا لا يحدث عشوائيًا، بل يعكس:
أولويات سياسية واستراتيجية
سادسًا: اللغة كأداة توجيه
الكلمات ليست حيادية:
- “تدخل” بدل “غزو”
- “ضربة استباقية” بدل “هجوم”
- “معارضة” بدل “قوة مسلحة”
هذه الاختيارات:
تعيد تشكيل فهم الحدث دون تغيير الوقائع نفسها
سابعًا: التكرار يصنع الحقيقة
مع الوقت، ومع التكرار المستمر:
- تتحول السردية إلى “حقيقة”
- يصبح التشكيك فيها صعبًا
- تتراجع الأسئلة النقدية
وهنا يصل الإعلام إلى أقصى تأثيره:
ليس إقناعك… بل تحديد ما تفكر فيه أصلًا
ثامنًا: الإعلام كجزء من المنظومة
الإعلام لا يعمل بمعزل، بل ضمن شبكة تشمل:
- السياسة
- الاقتصاد
- المؤسسات الدولية
وهذا يجعله:
جزءًا من آلية متكاملة لإدارة الصراع
خلاصة: السيطرة على الرواية قبل السيطرة على الأرض
ما يكشفه دور الإعلام هو أن القوة في العالم الحديث لا تُمارس فقط عبر:
- الجيوش
- المال
- القانون
بل أيضًا عبر:
القدرة على تعريف الواقع نفسه
في هذا النموذج:
- لا يكفي أن تمتلك القوة
- بل يجب أن تُقنع الآخرين بشرعيتها
وهنا يصبح الإعلام: الساحة الأولى لأي صراع… حيث تُصنع الشرعية قبل أن تُفرض النتائج