العراق وليبيا: آخر انتصارات النظام الأحادي
حين غاب ميزان الردع
لم يكن سقوط العراق عام 2003، ثم سقوط النظام الليبي عام 2011، مجرد حدثين منفصلين في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. كانا تعبيرًا عن مرحلة دولية كاملة، امتلكت فيها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون قدرة واسعة على التدخل العسكري وإعادة تشكيل الأنظمة، في غياب قوة كبرى قادرة على منعهم أو موازنة نفوذهم.
بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، دخل العالم مرحلة عُرفت بالنظام الأحادي القطبية. لم تعد هناك قوة مقابلة تشكل ردعًا مباشرًا للولايات المتحدة. روسيا كانت غارقة في أزماتها الداخلية، والصين لم تكن قد بلغت بعد مستوى المنافسة الجيوسياسية المفتوحة. في تلك اللحظة، أصبح الشرق الأوسط ساحة مكشوفة أمام القوة الأمريكية والغربية.
العراق: بداية المشروع الكبير
كان العراق أول اختبار واسع لهذا النظام. فبعد حرب الخليج الأولى، أصبح الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة أكثر رسوخًا، ثم جاء غزو العراق عام 2003 ليكشف حجم التفوق الأمريكي في تلك المرحلة.
لم يكن الهدف إسقاط نظام سياسي فقط، بل إعادة هندسة دولة مركزية مهمة في قلب الشرق الأوسط. العراق يمتلك النفط، والموقع، والتاريخ، والحدود المفتوحة على إيران وسوريا وتركيا والخليج. لذلك كان التحكم في العراق يعني امتلاك نقطة ضغط كبرى داخل الإقليم.
لكن ما حدث بعد الغزو كشف الفارق بين القدرة على الهدم والقدرة على البناء. استطاعت الولايات المتحدة إسقاط النظام بسرعة، لكنها لم تستطع إنتاج نظام مستقر يخدم مصالحها وحدها. تفككت الدولة، واشتعلت المقاومة، وتمدّد النفوذ الإيراني داخل البنية السياسية الجديدة. وهكذا تحولت الهيمنة العسكرية إلى ورطة استراتيجية طويلة.
ليبيا: تكرار النموذج بصورة مختلفة
في ليبيا عام 2011، لم يتكرر نموذج الغزو البري المباشر، بل جاء التدخل عبر حلف الناتو وتحت غطاء حماية المدنيين. لكن النتيجة السياسية كانت مشابهة: إسقاط النظام وفتح المجال لإعادة ترتيب البلاد وفق توازنات خارجية وداخلية جديدة.
كانت ليبيا مهمة لأنها ليست مجرد دولة نفطية، بل مساحة واسعة على الضفة الجنوبية للبحر المتوسط، تربط شمال أفريقيا بأوروبا والساحل الأفريقي. لذلك لم يكن إسقاط النظام الليبي حدثًا محليًا فقط، بل جزءًا من صراع أوسع على الموانئ، والطاقة، والهجرة، وممرات الإمداد، والنفوذ في المتوسط.
لكن كما حدث في العراق، نجح الغرب في إسقاط النظام أكثر مما نجح في السيطرة على المستقبل. فقد دخلت ليبيا في انقسام طويل، وظهرت فيها قوى إقليمية ودولية متعددة: تركيا، وروسيا، ومصر، والإمارات، وإيطاليا، وفرنسا، وغيرها. أي أن الفراغ الذي صنعه التدخل لم يبقَ غربيًا خالصًا، بل تحول إلى ساحة تنافس مفتوحة.
ذروة القوة لا تعني استقرار النفوذ
العراق وليبيا يكشفان مفارقة مهمة: القوة الكبرى قد تستطيع تدمير نظام قائم، لكنها لا تضمن بناء نظام بديل. فالهيمنة العسكرية شيء، وإدارة المجتمع والدولة والتوازنات المحلية شيء آخر.
في الحالتين، كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها قادرين على ضرب النظام من الخارج، لكنهم لم يستطيعوا التحكم الكامل في النتائج من الداخل. العراق انفتح على نفوذ إيران والصراعات الطائفية والسياسية. وليبيا انفتحت على الميليشيات والانقسام والتدخلات المتعددة.
وهنا يظهر أن لحظة الأحادية القطبية لم تكن لحظة استقرار عالمي، بل لحظة تفوق عسكري غير مقيد. كانت واشنطن قادرة على المبادرة، لكنها لم تكن قادرة دائمًا على ضبط ما بعد المبادرة.
لماذا لم يتكرر النموذج بعد ليبيا؟
بعد ليبيا، بدأت البيئة الدولية تتغير. روسيا عادت تدريجيًا إلى استخدام القوة خارج حدودها، وظهر ذلك بوضوح في سوريا منذ عام 2015. الصين صعدت اقتصاديًا وعسكريًا، وأصبحت أكثر حضورًا في حسابات النظام الدولي. كما خرجت الولايات المتحدة نفسها مثقلة بتجارب العراق وأفغانستان، وأكثر حذرًا من التورط في حروب برية طويلة.
لهذا لم يتكرر نموذج إسقاط الدول بالطريقة نفسها. لم تعد التدخلات الغربية تتحرك بحرية مطلقة كما حدث في التسعينيات وبداية الألفية. أصبح كل تدخل محسوبًا ضمن احتمال رد فعل روسي أو صيني أو إقليمي. وتحولت الصراعات من الغزو المباشر إلى العقوبات، والحصار، والحرب بالوكالة، والتحكم المالي، وإدارة الفوضى عن بعد.
من الأحادية إلى التزاحم الدولي
العراق وليبيا كانا من آخر المشاهد الكبرى لعالم كانت فيه الولايات المتحدة تتصرف باعتبارها القوة العليا في النظام الدولي. لكن ما بعدهما كشف بداية التراجع النسبي لهذا التفرد.
لم تسقط القوة الأمريكية، لكنها لم تعد وحدها في الساحة. ولم تعد روسيا كما كانت في التسعينيات، عاجزة ومشتتة. ولم تعد الصين مجرد قوة اقتصادية صامتة. لذلك أصبح الشرق الأوسط اليوم أقل قابلية لإعادة التشكيل من طرف واحد، وأكثر قابلية لأن يتحول إلى ساحة تزاحم بين قوى كبرى وإقليمية.
خاتمة
إن قراءة العراق وليبيا معًا تكشف أن ما جرى فيهما لم يكن مجرد سقوط نظامين، بل نهاية مرحلة كاملة من التاريخ الدولي. كانت تلك المرحلة تسمح للغرب بالتدخل الواسع تحت غطاء القوة العسكرية والشرعية الدولية الانتقائية، مستفيدًا من غياب التوازن العالمي.
لكن النتيجة لم تكن ولادة شرق أوسط مستقر تحت الهيمنة الغربية، بل ولادة فراغات استراتيجية دخلت إليها قوى أخرى. ومن هنا يمكن القول إن العراق وليبيا لم يكونا فقط انتصارين للقوة الأمريكية والغربية، بل كانا أيضًا بداية انكشاف حدود تلك القوة.