
المشهد
في زاوية معتمة من الذاكرة الجمعية،
تُترك جثث الأبطال الحقيقيين بلا نُصب تذكاري.
لا تُعزف لهم موسيقى، ولا تُرفع صورهم على الجدران.
ينتهون كما عاشوا:
بصمت، ونُكران، وإلحاحٍ ثقيل من التجاهل المتعمد.
بينما تملأ الشاشات صور "أبطال" من ورق،
يعلو صراخ البطولات المصطنعة،
ويُعاد تدوير الخطاب حول إنجازات لم تحدث،
وتضحيات لم تُبذل.
حين تتحول البطولة إلى عرض
لقد تحوّلت البطولة في زمن الصورة
إلى تمثيلٍ لا إلى فعل،
وإلى مشهدية لا إلى تضحية.
لم يعد البطل من يُغيّر مسار أمة،
بل من يجيد الوقوف أمام الكاميرا،
أو من تُسلّط عليه أضواء السلطة، ولو لحظة.
البطل الذي لا يُرى
البطل الحقيقي لا يعرف طريقه إلى النشرات المسائية.
لا يظهر في المؤتمرات الصحفية.
يموت في السجن،
أو في المنفى،
أو بين صفحات كتابٍ لم يُقرأ.
يُسحَب جسده من الذاكرة
كما يُسحب جسد الغريق من التيار،
ويُدفن في مقابر المعنى،
لا في مقابر الدولة.
من يقاتل للناس… لا بهم
هؤلاء الذين قاتلوا للناس،
لم يقاتلوا بهم.
وهؤلاء الذين نطقوا الحق،
لم ينتظروا تصفيق الجمهور.
إنهم لا يأتون على متن الدبابات،
ولا يُصنعون في الاستوديوهات،
ولا تنتهي حياتهم بلقطة ختامية
وعلم يُطوى على نعشهم.
بل يُطوى معهم تاريخٌ لم يُكتب.
كيف يُعاد تشكيل البطل؟
الأدهى من ذلك،
أن من يقتل البطل قد ينصب له تمثالًا،
ومن يحاصر صوته قد يخصص له جائزة.
لا لأنهم يندمون،
بل لأنهم يريدون إعادة تشكيله
بطريقة لا تُهدّدهم.
فتماثيل الأبطال الصامتين
أكثر أمانًا من أصواتهم الحيّة.
الصمت كمؤامرة على المعنى
يا لهذا العصر…
كم من جثة بطلٍ دفنّاها ونحن نبتسم!
وكم من نداء استغاثةٍ
اخترقه تصفيق الجماهير؟
إن الصمت الذي يُطوّق النهايات الحقيقية
لا ينبع من الجحود فحسب،
بل من مؤامرة كبرى ضد المعنى.
الخاتمة: ما الذي يبقى؟
في النهاية،
تبقى جثة البطل وصمة في جبين الزيف.
وتبقى ذاكرة الأحياء
أكبر من أي جائزة،
أو خبر عاجل،
أو وثائقي ملغوم.
فليس كل من مات بطلًا بطلًا،
وليس كل بطلٍ مات…
قد مات فعلًا.