ما وراء الوحشية: كيف تشكّل الانحطاط الأخلاقي الجمعي في المجتمع الإسرائيلي؟

منذ اندلاع الحرب على غزة، لم تكن الفاجعة في صواريخ الطائرات فقط، بل في التصفيق لها.

مشاهد الجنود وهم ينكّلون بجثث، يعتقلون أطفالًا، يقطعون الماء والغذاء عن مدنيين محاصرين، لم تُقابل في الداخل الإسرائيلي بالرفض أو حتى الحرج، بل بالاحتفاء والتبرير.

فالسؤال المدوّي هنا ليس سياسيًا فقط، بل إنساني وأخلاقي من الطراز الأول:
كيف وصلت كتلة ضخمة من مجتمع ما إلى هذا المستوى من التبلّد، والانحطاط، والتواطؤ مع الجريمة؟
ولماذا لم يحدث هذا التدني الجماعي الأخلاقي بهذا الشكل الوحشي في أي أمة حديثة كما حدث في الحالة الإسرائيلية؟

أولًا: الإجرام حين يصبح قناعة وجودية

ما نشهده ليس مجرد "رد فعل عنيف" أو "تطرّف عابر"، بل هو قناعة راسخة عند قطاعات واسعة في المجتمع الإسرائيلي مفادها:

أن للفلسطيني أن يُقتل، ويُعذّب، ويُسحق، لأن وجوده نفسه خطأ يجب تصحيحه.

وهنا يتجاوز العنف أبعاده السياسية أو العسكرية، ليصبح فعلًا وجوديًا تطهيريًا، يُمارَس بحقد، ويُبرَّر دينيًا، ويُحتفل به شعبيًا.

إنها ليست مجرد فاشية من نظام، بل فاشية جماعية مغروسة في ثقافة، ومناهج، وإعلام، وتكوين ديني.

ثانيًا: كيف تخلّق هذا الانحدار الأخلاقي؟

1. الأساس الديني المشوّه

يتغذى الخطاب الصهيوني على تأويلات دينية عنصرية، تصف غير اليهود بـ"الغوييم" (أي: الأدنى مرتبة)، وتمنح "شعب الله المختار" حق السيادة والتطهير.

2. المظلومية المؤسسة

تُوظَّف ذاكرة المحرقة كذريعة لتبرير أي عنف، بزعم أن "كل العالم ضدنا"، ما يخلق عقلية دفاع أبدي تبرر كل شيء، حتى المجازر.

3. العسكرة المبكرة

كل إسرائيلي تقريبًا يُجنّد، ويتلقى تعاليم تفترض أن الفلسطيني خطر وجودي.
الجندي لا يُدرَّب على احترام القانون الإنساني، بل على الشكّ المسبق في إنسانية الخصم.

4. الإعلام الداخلي المنغلق

وسائل الإعلام الإسرائيلية تنقل الرواية الواحدة فقط، وتُجرد الفلسطيني من صورته البشرية.
يصبح القتيل رقمًا، ويصبح القصف "عملية نوعية"، ويُقدَّم التعذيب باعتباره "إجراء أمنيًا وقائيًا".

5. الاحتلال الذي يُفسد الروح

أربعون عامًا من إدارة حياة شعب آخر، بالتفتيش، والحصار، والقتل، تصنع جيشًا من المتبلدين.
الاحتلال لا يدمّر فقط المُحتَل، بل يُفسد المُحتل نفسه، في إنسانيته وأخلاقه.

ثالثًا: لماذا لم تصل أمة حديثة إلى هذا المستوى من الانحدار؟

حتى أكثر الأنظمة القمعية في العصر الحديث، مثل الصين في الإيغور، أو أمريكا في أبو غريب، أو روسيا في الشيشان... لم تصل شعوبها إلى درجة التماهي الجماعي مع الوحشية كما يحدث في الحالة الإسرائيلية.

لم نرَ طوابير من الأطفال يغنون للدمار، أو عائلات تخرج للاحتفال بقصف مدارس، أو مشاهير يفتخرون بتأييد الإبادة، كما نراه اليوم في المجتمع الإسرائيلي.

السبب هو أن الحالة الصهيونية ليست استعمارًا فقط، بل استعمارٌ مؤسَّس على فكرة دينية-عنصرية تبرر القتل بوصفه "عملًا مقدّسًا".

رابعًا: من يربّي هذا الانحطاط؟

  • المدرسة: التي تُدرس أن فلسطين "أرض بلا شعب"، وأن العرب "متوحشون".
  • الجيش: الذي يربط الرجولة بقتل العربي.
  • الدين: الذي تُستخدم نصوصه الملتوية لترسيخ التفوق العرقي.
  • البيت: الذي يبارك المجازر على طاولة العشاء.
  • الإعلام: الذي يصور الفلسطيني كخطر دائم يجب اقتلاعه.

هي منظومة كاملة، لا أفراد شاذّون.

خامسًا: هل هذا الانحطاط نهائي؟

لا، لكنه عميق، وخطير.
ولأن المجتمع الإسرائيلي فقد بوصلته الأخلاقية، فإن أي رهان على "استيقاظ الضمير" بات وهمًا.

إن الرد الأخلاقي الوحيد الممكن هو:

  • فضح هذا الانحطاط عالميًا
  • كسر القوة التي تحميه
  • وإعادة تعريف من هو الضحية، ومن هو الوحش

الخاتمة

حين يصبح القتل احتفالًا، والتعذيب دفاعًا، والمجزرة إنجازًا، فإننا أمام سقوط أخلاقي لا يُبرر ولا يُفهَم إلا كعلامة على مرض مجتمعي عميق.

ولذلك، فإن مواجهة المشروع الصهيوني لم تعد قضية سياسية فقط، بل معركة من أجل استعادة المعنى الإنساني ذاته.
فما نراه في غزة ليس فقط إبادة، بل امتحانًا لأخلاق هذا العصر… والنتيجة حتى الآن: فشلٌ مدوٍّ.

احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.