
لم تعد الحرب في أوكرانيا تُقدَّم في الإعلام الغربي بوصفها مواجهة عسكرية قابلة للحسم، بل كصراع طويل الأمد يُدار على مستويات متعددة: عسكريًا، اقتصاديًا، استخباراتيًا، وداخليًا داخل المجتمعات الأوروبية نفسها.
اللغة تغيّرت. سقف التوقعات انخفض. الحديث لم يعد عن "تحولات كبرى" بل عن "صمود" و"احتواء" و"إدارة مخاطر".
وهذا التحول في اللغة أهم من أي تطور ميداني منفرد.
أولاً: ثبات الجبهة لا يعني ثبات الصراع
التغطيات الغربية الأخيرة تُظهر واقعًا شبه مستقر على خطوط القتال. لا اختراقات حاسمة، ولا انهيارات كبرى.
هذا الثبات لا يُقدَّم كانتصار لأحد، بل كدليل على انتقال الحرب إلى مرحلة الاستنزاف.
الصحافة الاقتصادية تحديدًا بدأت تركز على الكلفة طويلة الأمد:
- كلفة الدعم العسكري الغربي.
- كلفة إعادة الإعمار المؤجلة.
- كلفة الحفاظ على الجاهزية الدفاعية الأوروبية.
التحليل السائد لا يتحدث عن "هزيمة وشيكة" لروسيا، بل عن قدرة موسكو على التكيّف مع العقوبات وإعادة توجيه اقتصادها نحو الشرق.
وهذا بحد ذاته اعتراف ضمني بأن سياسة العزل لم تؤدِّ إلى انهيار داخلي سريع كما كان يُفترض في المراحل الأولى.
ثانياً: الحرب تقترب من الداخل الأوروبي
التقارير التي تتناول أنشطة مرتبطة بـمجموعة فاغنر داخل أوروبا لا تُطرح كأحداث أمنية معزولة، بل كمؤشر على توسّع أدوات الصراع.
الحديث هنا ليس عن عمليات عسكرية، بل عن:
- تخريب محدود للبنى التحتية.
- حملات تضليل إعلامي.
- محاولات تأجيج انقسامات سياسية داخل دول أوروبية.
الإعلام الغربي بات يستخدم مصطلح "الحرب الهجينة" بصورة اعتيادية، لا استثنائية.
وهذا يعني أن القناعة تتجه نحو أن المواجهة مع موسكو لم تعد محصورة بأوكرانيا، بل أصبحت نمطًا مستمرًا من التنافس غير المباشر داخل الفضاء الأوروبي.
لكن اللافت أن هذه التغطيات لا تتحدث عن انهيار أمني أوروبي، بل عن إدارة تهديد منخفض الحدة.
بمعنى آخر: التوتر قائم، لكن ضمن سقف مضبوط.
ثالثاً: أوكرانيا بين المعركة والشرعية
في المقابل، تُبرز وسائل الإعلام الغربية قضايا داخلية أوكرانية مثل محاكمات فساد أو إعادة هيكلة مؤسسات الدولة.
هذه الأخبار لا تُقدَّم كفضائح، بل كدليل على استمرار عمل الدولة تحت الضغط.
الرسالة الضمنية واضحة:
كييف لا تحارب فقط عسكريًا، بل تحاول إثبات قدرتها على الحفاظ على مؤسسات قابلة للحياة، خصوصًا أمام الداعمين الغربيين.
التركيز على الشفافية والإصلاح ليس تفصيلاً ثانويًا.
هو جزء من معركة الحفاظ على الدعم السياسي في العواصم الأوروبية، حيث يزداد النقاش حول مدة وكلفة الالتزام بالحرب.
رابعاً: التحول في الخطاب الغربي
من يراجع افتتاحيات الصحف الغربية اليوم سيلاحظ تحولًا دقيقًا في النبرة:
- لم يعد الحديث عن "تحرير شامل قريب".
- لم يعد يُستخدم خطاب الحسم العسكري السريع.
- التركيز أصبح على الصمود، الردع، ومنع توسع الصراع.
هذا التحول لا يعني تراجع الدعم، بل يعني إعادة تعريف الهدف.
الهدف لم يعد إحداث تحول جذري سريع، بل منع روسيا من تحقيق مكاسب إضافية، مع إبقاء الضغط طويل الأمد.
بعبارة أدق:
الغرب انتقل من منطق "تغيير المعادلة" إلى منطق "تثبيت المعادلة".
خامساً: الاقتصاد كجبهة موازية
التغطيات الاقتصادية في الصحافة الغربية تشير إلى نقطتين متوازيتين:
روسيا أعادت توجيه تجارتها جزئيًا نحو آسيا.
أوروبا تكيفت مع فقدان الطاقة الروسية لكن بكلفة أعلى.
لا يُطرح الأمر كأزمة خانقة لأي طرف، بل كإعادة ترتيب بطيئة للنظام الاقتصادي المحيط بالحرب.
وهذا يعزز فكرة أن الصراع أصبح طويل النفس، لا صدمة عابرة.
سادساً: غياب أفق سياسي واضح
رغم كثافة التغطيات، لا يظهر في الإعلام الغربي مسار تفاوضي جدي في الأفق القريب.
الحديث يدور حول مبادرات محتملة، لكن دون مؤشرات على استعداد حقيقي لتنازلات جوهرية من الطرفين.
وهنا تتضح معادلة دقيقة:
- لا أحد يتوقع حسمًا عسكريًا قريبًا.
- لا أحد يطرح تسوية سياسية ناضجة.
- الجميع يدير الوقت.
إدارة الوقت بحد ذاتها أصبحت استراتيجية.
الخلاصة: حرب تُدار لا تُحسم
إذا التزمنا بما تقوله المصادر الغربية نفسها، دون تهويل أو إسقاطات:
- الجبهات مستقرة نسبيًا.
- أدوات الصراع تتوسع خارج ساحة القتال.
- الدعم الغربي مستمر لكن بنبرة أكثر واقعية.
- روسيا لم تنهَر اقتصاديًا كما كان يُتوقع.
- لا يوجد أفق سياسي واضح.
نحن أمام مرحلة لا تُشبه البدايات.
لم تعد حرب مفاجأة، ولا حرب صدمة، بل حرب إدارة مستمرة لتوازن هش.
السؤال الواقعي ليس متى تنتهي، بل:
إلى أي مدى تستطيع الأطراف الحفاظ على هذا التوازن دون انزلاق أوسع؟