
أولًا: التحول الجيوسياسي كإطار حاكم للصراع
المتغير الحاسم في المنطقة ليس صعود هذا الفاعل أو تراجع ذاك، بل تغيّر بنية النظام الدولي نفسه. الولايات المتحدة لم تعد القوة القادرة على فرض تسويات شاملة، وروسيا عاجزة عن وراثة الهيمنة، فيما تراقب الصين وتستثمر دون انخراط صدامي. هذا الفراغ النسبي لا ينتج فوضى مطلقة، بل نمطًا جديدًا من الإدارة المؤقتة للصراعات.
في هذا السياق، لم تعد الحروب تُخاض للحسم، بل لإعادة التموضع، ولم تعد التسويات تهدف إلى الحل، بل إلى التجميد. الصراع يتحول إلى أداة إدارة، لا إلى معركة تقرير مصير.
ثانيًا: من السيادة إلى الوظيفة – إعادة تعريف دور الدول الإقليمية
الدول الإقليمية الفاعلة لم تعد تتحرك بوصفها كيانات سيادية مكتملة القرار، بل كـمنصات تنفيذ داخل معادلة أكبر. المال، الجغرافيا، النفوذ العسكري، كلها عناصر تُستخدم ضمن سقف مرسوم لا يُسمح بتجاوزه.
السعودية، الإمارات، إيران، تركيا… تختلف في الأدوات، لكنها تتشابه في القيد:
- لا يُسمح لأي منها ببناء مشروع إقليمي مستقل كامل.
- ولا يُسمح لأي منها بالانهيار الشامل.
كل طرف يُدفع إلى لعب دور محدد: ضغط هنا، تهدئة هناك، تصعيد مضبوط، أو انسحاب محسوب. ما يبدو قرارات وطنية كبرى هو في الغالب تكيّف تكتيكي مع خطوط حمراء دولية.
ثالثًا: الصراعات المفتوحة كآليات ضبط لا كمسارات حل
اليمن، سوريا، ليبيا، وحتى فلسطين… ليست ملفات منفصلة، بل نماذج متشابهة لإدارة الأزمات. القاسم المشترك بينها هو منع الحسم ومنع الانفجار الشامل في آنٍ واحد.
في هذه الساحات:
- لا يُترك الصراع لينتهي.
- ولا يُسمح له بأن يتوسّع بلا ضابط.
يتم تدوير الفاعلين، تعديل الأدوار، تغيير سقف الخطاب، دون المساس بجوهر المعادلة. الهدف ليس النصر، بل منع تشكّل واقع جديد غير قابل للضبط.
رابعًا: التمويه الإعلامي كجزء من إدارة الصراع
الإعلام ليس ناقلًا محايدًا للأحداث، بل أداة مركزية في إدارتها. يتم تضخيم الخلافات بين الحلفاء أو تلميعها بحسب الحاجة، لا بحسب حقيقتها. ما يُعرض كصراع مصالح حاد بين أطراف متحالفة، غالبًا ما يكون توزيع أدوار لا أكثر.
في المقابل، تُجرَّم أطراف معينة وتُقدَّم بوصفها “خطرًا مطلقًا”، لا لأنها الأخطر فعليًا، بل لأنها خرجت مؤقتًا عن الدور المرسوم لها، أو تجاوزت هامش الحركة المسموح به.
الإعلام هنا لا يشرح الواقع، بل:
- يموّه نقاط الالتقاء
- ويضخّم نقاط الخلاف
- ويعيد تشكيل وعي الجمهور بما يخدم منطق الإدارة لا منطق الفهم
خامسًا: اختلاف المصالح داخل المعسكر الواحد… حقيقة أم أداة؟
كثيرًا ما يُقدَّم اختلاف المصالح بين الحلفاء بوصفه انقسامًا استراتيجيًا حادًا، بينما هو في الغالب اختلاف في الأولويات التكتيكية لا في الإطار العام. لا يعني هذا غياب التنافس، لكنه تنافس مضبوط لا يُسمح له بكسر القاعدة.
يتم السماح بهامش صراع:
- لتنفيس الضغوط
- لإعادة توزيع النفوذ
- أو لتعديل شروط التفاوض
لكن دون السماح بتحوّله إلى قطيعة أو صدام شامل. وهنا يظهر الإعلام مرة أخرى كأداة تضخيم أو تبريد حسب المرحلة.
سادسًا: لماذا تُلمَّع أطراف وتُدان أخرى؟
التلميع أو التجريم لا يخضع لمعايير أخلاقية أو قانونية ثابتة، بل لوظيفة الطرف داخل المعادلة. الطرف “المطيع” يُقدَّم كشريك مسؤول، والطرف “المشاغب” يُصوَّر كتهديد للاستقرار.
هذه السرديات ليست انعكاسًا للحقيقة، بل أدوات ضغط:
- لإعادة إدخال طرف إلى الإطار
- أو لعزل طرف مؤقتًا
- أو لتهيئة الرأي العام لتغيير دور ما
الخلاصة: الشرق الأوسط كساحة إدارة لا كجبهة حسم
المنطقة اليوم تُدار لا لتُحسم.
الصراعات تُضبط لا لتُحل.
والدول تُستخدم لا لتقود.
ما نراه من انسحابات، تصعيدات، تهدئات، أو حتى تناقضات، ليس دليل ارتباك بقدر ما هو انعكاس لمرحلة انتقالية في النظام العالمي، تُدار فيها المنطقة بأقل كلفة ممكنة، وبأقصى قدر من التحكم.
إلى أن تتضح ملامح النظام الدولي القادم، سيبقى الشرق الأوسط:
- مساحة اختبار
- وساحة ضغط
- ومنطقة انتظار طويلة
أما الحديث عن مشاريع سيادية مكتملة أو انتصارات نهائية، فسيظل جزءًا من الخطاب الإعلامي… لا من الواقع الفعلي.