إدارة الصراعات: وهم القرار الوطني: لماذا تبدو القرارات الاستراتيجية منفصلة… وهي في الواقع مُدارة؟

يُقدَّم المشهد الإقليمي اليوم بوصفه حصيلة قرارات وطنية مستقلة: دولة تصعّد، أخرى تنسحب، ثالثة تفاوض، ورابعة تهدّد. غير أن هذا التصوير، رغم انتشاره إعلاميًا، يخفي حقيقة أكثر إرباكًا: معظم هذه “القرارات” لا تنبع من سيادة استراتيجية مكتملة، بل من أدوار مُحددة سلفًا داخل منظومة إدارة إقليمية أوسع. وهنا لا يصبح السؤال: من قرر؟ بل: ضمن أي هامش سُمح له أن يقرر؟

أولًا: الفرق بين القرار التكتيكي والقرار الاستراتيجي

كثير من الالتباس في فهم ما يجري نابع من الخلط بين نوعين من القرار:

  • القرار التكتيكي:
    حركة، انسحاب، تصعيد محدود، تفاوض مرحلي.
    يُسمح به، بل يُشجَّع أحيانًا، لأنه لا يغيّر بنية المشهد.

  • القرار الاستراتيجي:
    تغيير التحالفات الكبرى، كسر المظلة الدولية، بناء مشروع مستقل طويل الأمد.
    هذا النوع هو المحظور فعليًا.

ما يجري تداوله إعلاميًا بوصفه “قرارات سيادية” لا يتجاوز في الغالب المستوى الأول، بينما يُغلق الباب أمام الثاني بإحكام.

ثانيًا: كيف يُصنَع وهم الاستقلال في القرار؟

وهم القرار الوطني لا يُفرض بالقوة فقط، بل يُصنَع عبر ثلاث آليات متداخلة:

  1. تفويض محدود
    يُمنح الفاعل الإقليمي هامش حركة داخل ملف أو ساحة معينة، بشرط ألّا يتجاوز خطوطًا مرسومة.

  2. خطاب سيادي مرتفع النبرة
    يُسمح باستخدام لغة حادة عن “الاستقلال” و”القرار الوطني” لاحتواء الداخل، دون أن يترجم ذلك إلى تغيير فعلي في الاتجاه.

  3. تضخيم إعلامي للحدث
    تُقدَّم الخطوة وكأنها تحوّل تاريخي، بينما هي في الواقع إعادة تموضع داخل المسار نفسه.

بهذا، يبدو القرار مستقلًا في الشكل، لكنه مُدار في الجوهر.

ثالثًا: لماذا تحتاج المنظومة الدولية لهذا الوهم؟

لأن غياب الوهم أخطر من وجوده.
الاعتراف العلني بانعدام القرار الاستراتيجي سيؤدي إلى:

  • فقدان شرعية الأنظمة داخليًا
  • انفجار اجتماعي أو سياسي
  • صعود قوى غير منضبطة

لذلك، يتم الحفاظ على حدّ أدنى من مسرحة السيادة:
علم، خطاب، قمة، تهديد، ثم عودة هادئة إلى المسار المرسوم.

رابعًا: اختلاف القرارات لا يعني اختلاف المشاريع

من أكثر أدوات التضليل شيوعًا تصوير تباين مواقف الأطراف الإقليمية كدليل على تضارب استراتيجي حقيقي. بينما الواقع أن:

  • اختلاف التوقيت ≠ اختلاف الهدف
  • اختلاف الأسلوب ≠ اختلاف السقف

قد يتصادم الحلفاء إعلاميًا، أو يبدون في حالة توتر، لكنهم يتحركون غالبًا داخل الإطار نفسه: منع الحسم، منع الانفجار، وإدارة الكلفة.

هذا “الاختلاف” يؤدي وظيفة محددة:

  • إعادة توزيع الأدوار
  • امتصاص الضغوط
  • تحسين شروط التفاوض مع الأطراف الأخرى

خامسًا: من يُسمح له بالقرار ومن يُعاقَب؟

المنظومة لا تعاقب على الخطاب، بل على تجاوز الدور.
الفاعل الذي:

  • يلتزم بالسقف
  • يضبط إيقاعه
  • يقبل بالتعديل عند الطلب

يُقدَّم كشريك “عاقل” حتى لو مارس عنفًا واسعًا.

أما من:

  • يحاول تحويل التكتيك إلى استراتيجية
  • أو استثمار لحظة دولية لبناء مشروع مستقل
  • أو تغيير قواعد اللعبة

فيُعاد تصنيفه: خطر، متمرّد، مهدِّد للاستقرار.

سادسًا: القرار “المنفصل” كأداة تمويه

حين يُقال إن كل طرف يتخذ قراره بمعزل عن الآخرين، يتم تغييب الحقيقة الأساسية:
هذه القرارات “المنفصلة” غالبًا ما تكون متكاملة وظيفيًا.

  • تصعيد هنا لتبرير تهدئة هناك
  • انسحاب في ساحة لفتح مجال في أخرى
  • توتر إعلامي لتغطية تفاهم غير معلن

المنفصل في الشكل، متشابك في الوظيفة.

سابعًا: لماذا يستمر هذا النمط؟

لأن البديل مكلف جدًا:

  • قرار وطني استراتيجي حقيقي يعني صدامًا مع المنظومة الدولية
  • والصدام في ظرف جيوسياسي انتقالي يعني استنزافًا طويلًا
  • والاستنزاف قد يؤدي إلى فقدان السيطرة بالكامل

لذلك تُفضِّل معظم الأنظمة:

وهم القرار… على كلفة القرار الحقيقي.

الخلاصة: السيادة بوصفها سردية لا ممارسة

ما نعيشه ليس عصر القرارات الوطنية الكبرى، بل عصر إدارة الهوامش.
السيادة تُستعمل كلغة، لا كأداة.
والقرار يُقدَّم كحدث، لا كمسار.

في هذا السياق، يصبح السؤال الأهم ليس:
من قرر؟
بل:
ما الحد الأقصى الذي سُمح له أن يقرره؟

وإلى أن يتغيّر هذا الإطار، سيبقى القرار الوطني الاستراتيجي حاضرًا في الخطاب… غائبًا في الواقع.

سلسلة: إدارة الصراعات في الشرق الأوسط

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.