
للوهلة الأولى، تبدو الولايات المتحدة في مفارقة غريبة:
الدولة التي تقود النظام التكنولوجي العالمي، لا تصنّع معظم ما تعتمد عليه. مصانع الشرائح الكبرى في تايوان وكوريا، المعدات في أوروبا، وسلاسل الإمداد موزعة عبر قارات. ومع ذلك، ما زالت واشنطن تمسك بالمقود.
السؤال ليس: لماذا لا تصنّع أمريكا؟
بل: كيف تحكم دون أن تكون المصنع الأكبر؟
أولًا: الهيمنة لم تعد خط إنتاج
في القرن العشرين، كانت القوة الصناعية تُقاس:
- بعدد المصانع
- بحجم الإنتاج
- بطاقة الصهر والتجميع
أما اليوم، فالهيمنة تُقاس بـ:
- من يملك التصميم
- من يملك الملكية الفكرية
- من يضع المعايير
- ومن يملك القدرة على الإقصاء
أمريكا اختارت الصعود إلى أعلى السلسلة،
وتركت “العمل القذر” لغيرها.
ثانيًا: التصميم هو العرش
الشركات الأمريكية تسيطر على:
- تصميم المعالجات (CPU, GPU, AI accelerators)
- برمجيات التصميم (EDA)
- المعايير الأساسية للمعمارية
حتى حين لا تُصنّع الرقاقة داخل أمريكا،
فإن عقلها وخرائطها وحقوقها أمريكية المنشأ.
وهنا جوهر الهيمنة:
من يصمم، يتحكم… حتى لو لم يُنتج.
ثالثًا: الملكية الفكرية كسلاح جيوسياسي
الملكية الفكرية ليست مجرد حماية قانونية، بل:
- أداة منع
- أداة ترخيص
- أداة عقاب
عبرها تستطيع واشنطن:
- قطع الوصول عن خصم
- إجبار حليف على الالتزام
- التحكم في من يستخدم ماذا وكيف
العقوبات على الصين لم تكن ممكنة لولا أن:
- معظم البرمجيات والمعايير أمريكية
- أغلب سلاسل القيمة تمر قانونيًا عبر واشنطن
رابعًا: لماذا لم تحمِ أمريكا مصانعها؟
قرار نقل التصنيع لم يكن صدفة، بل:
- بحث عن خفض التكاليف
- استغلال العمالة الآسيوية
- تركيز داخلي على البحث والتطوير
لكن هذا القرار خلق هشاشة:
- اعتماد على تايوان
- اعتماد على سلاسل خارجية
- خطر انقطاع مفاجئ
ولهذا، عادت أمريكا اليوم لمحاولة:
استعادة بعض التصنيع دون التخلي عن الهيمنة العليا.
خامسًا: قانون الرقائق… عودة حذرة لا انقلاب
مشروع إعادة التوطين الأمريكي لا يعني:
- الانسحاب من العولمة
- ولا بناء منظومة مكتفية ذاتيًا
بل يعني:
- تقليل المخاطر
- حماية الأمن القومي
- ضمان حد أدنى من الإنتاج المحلي
الهدف ليس السيطرة الكاملة،
بل التأمين ضد الصدمات.
سادسًا: القوة الأمريكية الحقيقية… القدرة على الإقصاء
ما يميز أمريكا ليس قدرتها على الإنتاج، بل:
قدرتها على منع الآخرين من الإنتاج المتقدم
حين تمنع:
- برمجيات التصميم
- التراخيص
- المعايير
- المعدات الحاسمة
فأنت لا تحتاج إلى مصنع،
أنت تتحكم في من يُسمح له أن يصنع.
وهذه قوة لا تملكها أي دولة أخرى بهذا الشكل المتكامل.
سابعًا: الحلفاء… شركاء أم أدوات؟
هولندا، اليابان، كوريا، تايوان:
- دول صناعية مستقلة ظاهريًا
- لكنها تعمل داخل منظومة معايير واحدة
واشنطن لا تملك ASML،
لكنها تملك القدرة على:
- التأثير في قراراتها
- توجيه صادراتها
- إدخالها ضمن استراتيجية أوسع
الهيمنة هنا شبكية، لا مباشرة.
ثامنًا: الخطر الذي تواجهه أمريكا
الهيمنة الأمريكية قوية، لكنها ليست أبدية.
المخاطر تشمل:
- تسريع الصين لمسار بديل
- تململ الحلفاء من القيود
- تسييس مفرط للتكنولوجيا
كلما استُخدمت القوة أكثر،
زادت رغبة الآخرين في كسرها.
تاسعًا: لماذا لا تستطيع أمريكا التشدد أكثر؟
لأن التشدد الكامل يعني:
- شلّ السوق العالمي
- الإضرار بالشركات الأمريكية نفسها
- دفع العالم إلى الانقسام التقني
واشنطن تمشي على حبل مشدود:
- تضغط دون أن تكسر
- تعاقب دون أن تعزل نفسها
- تحكم دون أن تخنق النظام الذي تقوده
خاتمة: الهيمنة بصيغة القرن الحادي والعشرين
الولايات المتحدة لم تعد إمبراطورية مصانع،
بل إمبراطورية قواعد.
لا تنتج كل شيء،
لكنها تحدد:
- كيف يُنتج
- من يُنتج
- ولمن يُسمح بالوصول
وفي عالم أشباه الموصلات:
من يملك القاعدة، لا يحتاج أن يملك المصنع.
في المقال القادم، سنخرج خطوة أوسع:
أشباه الموصلات كسلاح في الحروب الحديثة: من الدبابات إلى الخوارزميات.