
منذ تصاعد الحرب التكنولوجية مع الولايات المتحدة، رفعت الصين شعار “الاكتفاء الذاتي” بوصفه المخرج الاستراتيجي من الحصار الغربي. وفي المقابل، يروّج الخطاب الغربي لفكرة أن الصين، رغم قوتها الصناعية، عاجزة جوهريًا عن اللحاق بالتكنولوجيا المتقدمة. بين هاتين الروايتين المتقابلتين، تضيع الحقيقة. فالسؤال ليس: هل تستطيع الصين؟ بل: ما الذي تستطيع فعله فعليًا، وما الذي لا تستطيع تجاوزه بنيويًا؟
أولًا: لماذا ظهر خطاب الاكتفاء الذاتي؟
الاكتفاء الذاتي لم يكن خيارًا أيديولوجيًا، بل رد فعل اضطراري.
العقوبات الأمريكية، وحظر تصدير الرقائق والمعدات، كشفت للصين حقيقة كانت مؤجلة: الاعتماد العميق على بنية تكنولوجية لا تملك مفاتيحها.
منذ ذلك الحين، تحوّل الاكتفاء الذاتي إلى:
- شعار سياسي داخلي
- أداة تعبئة قومية
- وعد استراتيجي طويل الأمد
لكن الشعار شيء، والبنية الصناعية شيء آخر.
ثانيًا: ما الذي تملكه الصين فعلًا؟
من الخطأ التقليل من قدرات الصين. فهي تملك:
- أكبر قاعدة صناعية في العالم
- عددًا هائلًا من المهندسين
- سوقًا داخلية قادرة على امتصاص الفشل
- تمويلًا شبه غير محدود للمشاريع الاستراتيجية
كما أنها نجحت في:
- تقليص الفجوة في الشرائح المتوسطة
- تطوير بدائل محلية لبعض التقنيات
- الالتفاف الجزئي على القيود الغربية
الصين ليست عاجزة، لكنها ليست حرة.
ثالثًا: أين تقف حدود الصين؟
المعضلة الحقيقية ليست في المال ولا في الكفاءات، بل في ثلاث حلقات مغلقة:
1. المعدات المتقدمة
الصين لا تملك:
- آلات EUV
- القدرة على تصنيع بديل مكافئ
- الوصول الحر إلى الموردين الأساسيين
وهذا وحده يكفي لفرض سقف تقني صلب.
2. المواد فائقة النقاء
بعض المواد الكيميائية والغازات المستخدمة في التصنيع:
- لا تُنتج محليًا بالجودة المطلوبة
- تحتاج عقودًا من التحسين التراكمي
3. الخبرة الزمنية
هناك معرفة:
- لا تُدرَّس
- لا تُوثَّق
- بل تُكتسب عبر الفشل المتكرر
وهذه لا يمكن تسريعها بقرار سياسي.
رابعًا: لماذا لا يكفي التقليد أو الهندسة العكسية؟
في الصناعات الكلاسيكية، كان التقليد وسيلة فعالة للحاق.
أما في أشباه الموصلات المتقدمة، فالهندسة العكسية تصطدم بـ:
- تعقيد متعدد الطبقات
- ملكية فكرية متداخلة
- مكونات لا تُرى ولا تُفكك
حتى لو عرفت “كيف يعمل المنتج”، فهذا لا يعني أنك تعرف:
- كيف صُمّم
- كيف فشل قبل أن ينجح
- ولماذا اتُّخذ هذا المسار دون غيره
المعرفة هنا مسار، لا نتيجة.
خامسًا: العقوبات… سلاح يحدد السقف لا يمنع الحركة
العقوبات الغربية لم تُوقف الصين، لكنها:
- حددت أقصى ما يمكنها الوصول إليه
- رفعت كلفة كل تقدم
- أبطأت الزمن بدل إيقافه
وهذا فارق مهم.
فالصين تتقدم، لكن داخل نفق مغلق السقف.
سادسًا: هل تستطيع الصين كسر القيد مستقبلًا؟
نظريًا: نعم.
عمليًا: بثمن باهظ وزمن طويل.
كسر القيد يتطلب:
- بناء منظومة معدات كاملة
- استنساخ شبكة موردين
- إنتاج معرفة تراكمية
- تحمّل سنوات من الفشل
وهذا يعني أن:
الاكتفاء الذاتي ليس مشروع عقد، بل مشروع أجيال.
سابعًا: المفارقة الصينية الكبرى
الصين قوية جدًا بحيث لا يمكن كسرها،
لكنها مقيدة جدًا بحيث لا تستطيع الانفلات الكامل.
هي ليست في موقع الضحية،
ولا في موقع المتحكم،
بل في منطقة وسطى خطرة.
وهنا يكمن التوتر العالمي:
- الغرب لا يستطيع إيقاف الصين
- والصين لا تستطيع تجاوز الغرب بسرعة
هذا التوازن غير المستقر هو ما يحكم المرحلة.
ثامنًا: ماذا يخفي الخطاب الغربي؟
الغرب يبالغ أحيانًا في تصوير الصين كعاجزة، ليس بدافع الثقة، بل:
- لتبرير العقوبات
- لطمأنة الداخل
- لإدارة الزمن
لكن الواقع أن الصين:
- تتقدم ببطء
- تتعلم
- وتراكم معرفة ستؤتي ثمارها لاحقًا
الخطر ليس فيما هي عليه الآن،
بل فيما قد تصبحه بعد عشرين عامًا.
تاسعًا: الاكتفاء الذاتي… وهم أم مسار؟
الاكتفاء الذاتي، كما يُطرح إعلاميًا، وهم.
أما الاكتفاء النسبي، فهو مسار واقعي.
الصين لا تحتاج أن تمتلك كل شيء،
يكفيها أن:
- تقلص نقاط الاختناق
- توسع هامش المناورة
- تقلل قابلية الابتزاز
وهذا وحده يغيّر ميزان القوى تدريجيًا.
خاتمة: الصين ليست خارج اللعبة
الصين ليست عاجزة كما يُصوَّر،
ولا قادرة كما تُعلن.
هي لاعب محاصر،
يتقدم داخل قيود،
ويعيد تشكيل استراتيجيته وفق سقف مفروض.
وفي عالم أشباه الموصلات:
من لا يملك المفتاح اليوم، قد يصنع بابًا جديدًا غدًا…
لكن الزمن هو الحكم الوحيد.
في المقال القادم، سنفكك الطرف الآخر من المعادلة:
أمريكا: كيف تُحكم الهيمنة دون أن تكون المصنع الأكبر؟