قافلة حنظلة: بين الرمزية الإنسانية ومسرح العلاقات العامة

انطلاق قافلة بحرية جديدة نحو غزة تحت اسم "Handala" أو "رفيقة غزة" يعيد إلى الواجهة مشهدًا قديمًا متجددًا: سفنٌ ترفع شعارات إنسانية، تبحر نحو شريط محاصر، وسط عناوين تُروّج للأمل والصمود… لكن خلف هذه الصورة النبيلة، يطفو سؤال أكثر عمقًا: هل باتت هذه القوافل تُستخدم كأدوات رمزية لإبراء الذمة الدولية بدل أن تكون وسيلة فعلية لفك الحصار؟

الإنسانية كشكل لا كجوهر

غالبًا ما تحتفي وسائل الإعلام الغربية والعربية بهذه القوافل كأفعال "شجاعة" في وجه الحصار، وكأنها إنجاز بحد ذاتها، بينما الواقع أن مجرد الحاجة إلى قافلة بحرية سرّية أو شجاعة يُعد اعترافًا صريحًا بأن المجتمع الدولي قد فشل — أو بالأحرى تواطأ بصمته — على مدى 18 عامًا من الحصار.

لماذا يُسمح بقوافل رمزية بين الحين والآخر، بينما يُجهض أي تحرك سياسي جدي لرفع الحصار؟ ببساطة، لأن القوافل لا تهدد النظام القائم، بل تُعزز وهم "وجود مقاومة إنسانية"، تتيح للغرب تلميع صورته، وللمنظمات المشاركة رفع شعاراتها على الشاشات، دون أن يتغير شيء في الميدان.

الاحتلال كمديرٍ لصورة المشهد

اللافت أن "إسرائيل" باتت تدير مشهد هذه القوافل بطريقة تتفوق على أدوات الرقابة الكلاسيكية. فهي تتعامل معها كمسرح محدود التأثير، يسمح لها بإظهار "حرية التعبير" في الغرب، بينما تبقي السيطرة الميدانية مطلقة. لم يُفلح أي من هذه القوافل السابقة — باستثناء ما أحدثته "مرمرة" من أزمة مؤقتة مع تركيا — في كسر الحصار أو حتى تقليص آلياته.

ما يعني أن تل أبيب باتت تتقن لعبة الرمزية المفرغة: تسمح بقافلة، تردّ عليها إعلاميًا، تفرض سيطرة قانونية، ثم تُغلق الملف. دائرة مغلقة تُعيد إنتاج العجز.

قوافل بلا استراتيجية

يُفترض أن العمل الإنساني — خاصة حين يكون في مواجهة حصار — لا يقتصر على نقل المعونات، بل يكون جزءًا من استراتيجية شاملة لكسر المنظومة المحاصِرة: ضغط قانوني، تحرك شعبي، فضح إعلامي ممنهج، بناء جبهات دولية ضاغطة... أما القوافل التي تُبحر ثم تُعترض، وتتحول إلى عناوين مؤقتة، فهي لا تُحدث فرقًا سوى في صفحات التبرعات وبعض المؤتمرات الصحفية.

بل لعلّ السؤال الأكثر إحراجًا: هل بات الغرب يموّل هذه القوافل كبديل عن موقف سياسي حقيقي؟ وهل تشارك بعض المؤسسات في هذه التحركات لتُثبت "نزاهتها الأخلاقية" في ملفات الشرق الأوسط، بينما تُبقي على دعمها لأنظمة التطبيع أو صفقات السلاح؟

خاتمة: من "مرمرة" إلى "هاندالة".. انحدار المعنى

حين انطلقت سفينة "مرمرة" عام 2010، شكّلت تهديدًا دبلوماسيًا وأحدثت صدمة دولية بعد المجزرة الإسرائيلية التي استهدفتها، لكنها كانت جزءًا من موجة صعود عالمي لدعم غزة، اتسعت يومها إلى حركات شعبية في أوروبا وأمريكا اللاتينية. أما اليوم، فقوافل مثل "رافقة غزة" تبدو — برغم نواياها النبيلة — أقرب إلى عزاء سياسي من كونها فعلًا مقاومًا حقيقيًا.

والأخطر أن تتحول هذه المشاهد إلى أدوات "توازن رمزي" بين الاحتلال والمجتمع الدولي، حيث تواصل إسرائيل حصارها، بينما يُسمح للعالم بجرعة رمزية من "التعاطف"، لا تجرح موازين القوى، ولا تخلخل جدران العزل.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.