
1. اليمن: مسرح استراتيجي أكثر من كونه ساحة صراع
اليمن منذ عام 2015 لم يكن مجرد دولة تتعرض لحرب أهلية، بل أصبح ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية:
السعودية تركز على أمن حدودها الجنوبية واحتواء نفوذ إيران عبر الحوثيين، لكنها تسعى أيضًا للحفاظ على موقعها القيادي الإقليمي.
الإمارات ركزت على الجنوب والموانئ الحيوية لتعزيز مصالحها الاقتصادية والسيطرة على خطوط الملاحة.
لكن كل هذه التحركات لا تتم بمعزل عن الولايات المتحدة. الدعم الاستخباري، السقف العسكري، وحتى خيارات التهدئة أو الانسحاب، غالبًا ما تكون ضمن ما تسمح به واشنطن لضمان استمرار التحالف وعدم زعزعة الاستقرار الإقليمي بشكل كامل.
2. العمليات الأخيرة: رسائل أكثر من ضربات
التحركات الأخيرة على الأرض تعكس استراتيجية محسوبة:
الضربات السعودية على مصالح إماراتية جزئية ليست صدامًا مفتوحًا، بل رسالة لإعادة ضبط النفوذ الإماراتي في مناطق الجنوب، خصوصًا بعد انكشاف نقاط ضعفها.
الانسحاب الإماراتي الجزئي يظهر وكأنه تخفيف للتوتر، لكنه في الواقع إعادة تموضع للحفاظ على المكاسب الاستراتيجية مع تقليل الخسائر المباشرة.
التهديدات العلنية السعودية توجه رسائل مزدوجة: داخليًا لتأكيد قوة الرياض، وخارجيًا لإظهار أن المملكة لا تزال اللاعب الأكبر ضمن التحالف، لكن ضمن الحدود التي ترسمها واشنطن.
3. إعادة ترتيب النفوذ: المرحلة التالية
هذه التحركات العسكرية والسياسية ليست عشوائية، بل جزء من خطة إعادة ترتيب النفوذ في الجنوب اليمني:
الإمارات والسعودية يتشاركان في تقسيم المسؤوليات والنتائج، بما يضمن استمرار تحالفهما ضد الحوثيين دون صدام حقيقي.
الرسائل الإعلامية عن الصراع، سواء الضربات أو التهديدات، تخدم صناعة الانطباع العام حول حيوية التحالف وتباين المصالح، لكنها في الحقيقة مسرحية محسوبة.
الولايات المتحدة تعمل كمنظم خفي لهذه العمليات، لضمان أن الترتيبات الجديدة تخدم مصالحها الاستراتيجية في البحر الأحمر والخليج العربي.
4. واشنطن: المخرج الخفي
واشنطن تتحكم في المشهد أكثر مما يُعلن:
كلا الرياض وأبوظبي يعتمدان على الحماية والدعم الأمريكي، وهذا يفرض حدودًا واضحة على "الاستقلالية" في التحرك.
أي خطوة تبدو كأنها مستقلة، مثل الانسحاب الجزئي للإمارات أو الضربات السعودية المحدودة، غالبًا ما تكون ضمن خطة أوسع وضعتها واشنطن لضبط موازين القوى الإقليمية.
الهدف النهائي: إعادة ترتيب النفوذ دون أن تتعرض المصالح الأمريكية أو خط الملاحة البحري في البحر الأحمر للخطر، مع إرسال رسائل حذر لأي طرف إقليمي آخر.
5. اليمن في الإعلام: تضليل الرأي العام
الإعلام يلعب دورًا كبيرًا في رسم الصورة الخاطئة:
العناوين عن صراع سعودي-إماراتي تُضخم الانطباع بأن التحالف ممزق.
الواقع الاستراتيجي مختلف؛ التحالف يعيد ترتيب أوراقه ضمن خطة مشتركة، تحت إشراف أمريكي.
هذه التغطية تساهم في إلهاء الرأي العام عن الهدف الحقيقي، وهو إعادة توزيع النفوذ وتثبيت المكاسب الاستراتيجية لكل طرف ضمن الإطار الأمريكي.
خلاصة
ما يحدث في اليمن اليوم ليس صراعًا سعوديًا إماراتيًا بمعناه التقليدي، بل إعادة ترتيب محسوبة للنفوذ الإقليمي. الضربات العسكرية، التهديدات، والانسحاب الجزئي هي أدوات لتوجيه رسائل داخلية وخارجية، وإبقاء التوازن الاستراتيجي ضمن حدود تسمح بها واشنطن. اليمن هنا ليس مجرد ساحة حرب، بل مسرح استراتيجي يُستخدم لصناعة الرسائل السياسية والتحولات الإقليمية بشكل محسوب، بينما يبقى الأمريكي هو المخرج الخفي وراء كل خطوة.