
الأحداث الأخيرة داخل الولايات المتحدة، من الاحتجاجات إلى الفوضى الرمزية، ليست مجرد انفجارات عفوية في مجتمع ديمقراطي. هي نتاج تراكم طويل من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ترافقه استراتيجيات مدروسة لإدارة الداخل الأمريكي. هذه الديناميكية الداخلية تتقاطع اليوم مع تحول ملموس في وعي الرأي العام بعد حرب غزة الأخيرة، عندما فقدت الرواية الإسرائيلية التقليدية مصداقيتها، وأصبح النقد الشعبي للسياسات الخارجية أكثر وضوحًا. ما يحدث اليوم إذاً ليس صدفة، بل جزء من منظومة استراتيجية تسمح للحكومة بإدارة الانتباه الداخلي وتحريك ملفات الشرق الأوسط وإيران بحرية أكبر.
1. تراكم الضغوط الداخلية
على مدى العقد الماضي، شهدت الولايات المتحدة تراكمًا غير مسبوق من الضغوط:
الانقسام الاجتماعي والاقتصادي: تراجع القدرة الشرائية للطبقة الوسطى وزيادة معدلات الدين الشخصي. حسب بعض الإحصاءات، متوسط دخل الأسرة الأمريكية لم يرتفع بنسبة كبيرة منذ 2010، بينما ارتفعت تكاليف السكن والتعليم بشكل ملحوظ.
الاستقطاب السياسي الحاد: التحولات الانتخابية أدت إلى زيادة التوتر بين المحافظين والليبراليين، مع ضعف الثقة في مؤسسات الدولة. استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن نسبة المواطنين الذين يشعرون بالثقة في الحكومة الفيدرالية لم تتجاوز 25-30٪.
وسائل الإعلام الرقمي: أصبحت المنصات الرقمية مثل تويتر وX وReddit أدوات لنشر الأخبار البديلة، وكشف التناقضات في الروايات الرسمية، ما جعل أي أحداث سياسية أو إنسانية عالمية تُعرض مباشرة للجمهور وتثير جدلًا واسعًا.
عوامل إضافية:
الأزمات البيئية مثل الأعاصير وحرائق الغابات، إضافة إلى أزمات الرعاية الصحية والبطالة، كلها عناصر تزيد من حساسية الداخل الأمريكي للاشتعال الاجتماعي.
هذا التراكم خلق بيئة "جاهزة للاشتعال"، بحيث أي شرارة صغيرة يمكن أن تتحول إلى أزمة أكبر بسرعة، كما رأينا في الاحتجاجات الأخيرة.
2. إدارة الحكومة للأزمات الداخلية
الحكومة الأمريكية تعتمد على إدارة محسوبة للأزمات:
السماح ببعض الاحتكاكات تحت السيطرة، مع تدخل محدود للشرطة والجيش لتجنب الانفجار الكامل.
استهداف مناطق معينة أو أحداث محددة إعلاميًا لضمان توازن بين السيطرة والفعلية للاضطراب.
الهدف ليس فقط السيطرة، بل أيضًا اختبار نقاط ضعف النظام الداخلي وفهم حجم الضغط الذي يمكن أن يتحمله الرأي العام.
تفاوت التأثير:
الاحتجاجات والفوضى لم تؤثر بنفس الدرجة على كل الفئات الاجتماعية؛ تأثيرها الأكبر كان على الشباب، الطبقة الوسطى، والمهتمين بالقضايا الإنسانية. بينما بقي بعض السكان أقل انخراطًا أو تأثيرًا في هذا النقاش.

3. حرب غزة وسقوط الرواية الإسرائيلية
الحرب الأخيرة في غزة كانت نقطة تحول كبيرة:
كشف ضعف الرواية الإسرائيلية التقليدية: الصور المباشرة للمدنيين أثبتت فجوة كبيرة بين الدعاية الرسمية وما يحدث على الأرض.
تأثير ملموس على الرأي العام الأمريكي: استطلاعات محدودة بين الشباب أظهرت زيادة بنسبة 40٪ في الاهتمام بالقضية الفلسطينية مقارنة بالسنوات السابقة.
ضغط شعبي مباشر على الحكومة: أصبح الرأي العام أكثر انتقادًا لدعم السياسات الإسرائيلية بشكل أعمى، خصوصًا بين الفئات العمرية الصغيرة والطبقة المثقفة.
4. الربط الاستراتيجي بين الداخل والخارج
السماح ببعض الاحتكاكات الداخلية جزء من استراتيجية أعمق ومتراكمة:
الأحداث المحلية تعمل كـ غطاء إعلامي وتحويل انتباه للرأي العام، بحيث يقل التركيز على السياسة الخارجية المثيرة للجدل.
تراكم الأحداث الداخلية، بدءًا من الأزمات الاقتصادية والفوضى الاجتماعية، وصولًا إلى حرب غزة، يُستخدم لضبط وتوجيه النقد الشعبي.
الحكومة بذلك تحقق هدفًا مزدوجًا:
السيطرة على الداخل وتحويل الانتباه نحو مشكلات محلية ملموسة.
الحفاظ على حرية أكبر للتحرك في ملفات الشرق الأوسط، إيران، وملفات استراتيجية أخرى، دون مواجهة انتقاد شعبي مباشر.
باختصار: الداخل مشغول والسياسة الخارجية تمضي بحرية أكبر، لكن كل ذلك ضمن منظومة متقنة من السيطرة والتحكم بالوعي الشعبي، مع مراعاة التراكم التاريخي للأزمات والأحداث الكبرى والفئات الاجتماعية المتأثرة بدرجات متفاوتة.
خاتمة
الأحداث الأخيرة داخل الولايات المتحدة تكشف مهارة استراتيجية عالية: تراكم الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، السماح ببعض الاحتكاكات ضمن حدود السيطرة، واستغلال الانشغال الداخلي كأداة لتخفيف النقد على السياسة الخارجية. حرب غزة الأخيرة لم تكن مجرد حادثة عابرة، بل عامل محفز لتغيير وعي الرأي العام الداخلي، ما أجبر الحكومة على إدارة الديناميكيات الداخلية بعناية، بما يضمن حرية أكبر في تحركاتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط وإيران وملفات أخرى. هذه الديناميكية تبرز كيف يُدار الداخل كأداة متكاملة مع السياسات الخارجية، ضمن رؤية استراتيجية طويلة المدى، مع إدراك تأثير التفاوت بين الفئات الاجتماعية المختلفة.