أمريكا على حافة الاضطراب المنظّم: كيف تتحوّل التقلبات السياسية إلى أداة حكم؟

لم تعد التقلبات في السياسة الأميركية مجرد انعكاس لصراع حزبي عابر، بل باتت بنيةً قائمةً بذاتها تُدار وتُستثمر. ما يظهر للعالم بوصفه فوضى داخلية، هو في جوهره إعادة تشكيل لطريقة الحكم، وضبط موازين القوة داخليًا وخارجيًا. خلف الضجيج الإعلامي، تُصاغ معادلات جديدة للشرعية، ويُعاد تعريف دور الدولة، والنخب، والمؤسسات.

أولًا: القضاء كفاعل سياسي لا كسلطة مستقلة

في التجربة الأميركية الراهنة، لم يعد القضاء مجرد حكم بين السلطات، بل أصبح طرفًا في الصراع.
تسييس الملفات القضائية، وتوقيت فتحها أو تجميدها، واختيار ساحات التقاضي، كلها مؤشرات على انتقال القضاء من كونه ضامنًا للنظام إلى أداة ضمنه.

المفارقة أن الخطاب الرسمي لا يزال يروّج لفكرة “سيادة القانون”، بينما الواقع يكشف عن قانون انتقائي، يُستخدم لضبط الخصوم، لا لتكريس العدالة. وهنا تتحول الشرعية من مبدأ دستوري ثابت إلى أداة تفاوض سياسي.

ثانيًا: الاقتصاد كساحة صراع داخلي قبل أن يكون أداة خارجية

التقلبات السياسية الأميركية تنعكس مباشرة على الاقتصاد، لكن ليس بالمعنى التقليدي.
الاقتصاد لم يعد مجرد ضحية للسياسة، بل أصبح ساحة صراعها الأساسية:

  • صدام بين رأس المال المالي العابر للقوميات ورأس المال الصناعي المحلي
  • صراع بين منطق السوق الحر ومنطق الحماية الاقتصادية
  • توظيف التضخم، وسلاسل التوريد، وأسعار الفائدة كأدوات ضغط اجتماعي

اللافت أن الدولة الأميركية لم تعد تحاول إخفاء هذا التوظيف، بل تُقدّمه بوصفه “تصحيحًا تاريخيًا”، بينما هو في الحقيقة إعادة توزيع قسرية للأعباء على الطبقات الوسطى والدنيا.

ثالثًا: الإعلام… من صناعة الرأي إلى إدارة الانقسام

الإعلام الأميركي لم يعد يهدف إلى الإقناع، بل إلى إدامة الانقسام.
لم يعد السؤال: من على حق؟
بل: أي جمهور نخاطب؟ وأي سردية تخدم بقاء الاستقطاب؟

النتيجة هي مجتمع يعيش في واقعين متوازيين:

  • واقع يرى الدولة العميقة تهديدًا
  • وآخر يرى الشعبوية خطرًا وجوديًا

هذا الانقسام ليس خللًا في النظام، بل أصبح آلية استقرار سلبية:
كل طرف يخشى انتصار الآخر أكثر مما يرغب في إصلاح النظام.

رابعًا: السياسة الخارجية رهينة الداخل

لطالما قُدّمت السياسة الخارجية الأميركية بوصفها نتاج استراتيجية كبرى.
اليوم، باتت في كثير من ملفاتها امتدادًا مباشرًا للصراع الداخلي:

  • التشدد أو المرونة تجاه الحلفاء يُقاس بميزان الانتخابات
  • التصعيد أو التهدئة مع الخصوم يُستخدم لتحسين الصورة الداخلية
  • حتى الخطاب القيمي (الديمقراطية وحقوق الإنسان) بات أداة استهلاك داخلي

هذا التحول أضعف القدرة الأميركية على فرض استقرار طويل الأمد، واستبدله بإدارة أزمات قصيرة النفس.

خامسًا: الدولة العميقة… حقيقة أم فزاعة؟

في الخطاب الشعبي، تُستخدم “الدولة العميقة” كتفسير شامل.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا:
ما يوجد هو شبكة مصالح مؤسسية، لا مركزًا واحدًا متماسكًا.

هذه الشبكة:

  • تتكيف مع الرؤساء بدل مواجهتهم
  • تُفرغ القرارات من مضمونها بدل إسقاطها
  • تحافظ على الاتجاه العام مهما تغيّرت الوجوه

وبهذا المعنى، فإن التقلبات السياسية لا تهدد النظام بقدر ما تُعيد ضبطه داخليًا.

سادسًا: لماذا لا تنهار الولايات المتحدة رغم كل هذا؟

السؤال الأهم ليس: لماذا تتقلب السياسة الأميركية؟
بل: لماذا لا تنهار الدولة؟

الجواب يكمن في أن:

  • الانقسام مُدار لا فوضوي
  • الصراع مُحدَّد بسقوف لا يُسمح بتجاوزها
  • المؤسسات تُستنزف لكنها لا تُكسر

هذا النموذج لا ينتج استقرارًا صحيًا، بل استقرارًا هشًا قابلًا للاهتزاز الدائم، لكنه كافٍ لمنع الانفجار.

خاتمة: فوضى محسوبة لا أزمة عابرة

ما تشهده الولايات المتحدة اليوم ليس أزمة طارئة، بل تحول بنيوي في نمط الحكم.
الدولة لا تفقد سيطرتها، بل تغيّر أدواتها.
والديمقراطية لا تُلغى، بل تُفرّغ من مضمونها الاجتماعي، وتُختزل في آليات شكلية.

في هذا السياق، تصبح التقلبات السياسية جزءًا من النظام لا تهديدًا له، ويغدو السؤال الحقيقي للعالم:
هل ما نراه نموذج قابل للتصدير؟
أم إن الولايات المتحدة تدخل مرحلة إدارة التراجع بدل قيادة النظام الدولي؟

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.