
لا يمكن فهم الأزمة بين تايلاند وكمبوديا بوصفها خلافًا حدوديًا تقليديًا، ولا باعتبارها نزاعًا تاريخيًا متجددًا حول معابد وخرائط استعمارية. ما يجري في الواقع هو حلقة ضمن صراع جيوسياسي أوسع على جنوب شرق آسيا، حيث تُستخدم الخلافات الثنائية كأدوات لإدارة التوازنات الدولية، لا لحلها. هذه الأزمة، في جوهرها، ليست عن الأرض، بل عن من يضبط إيقاع الإقليم، ومن يُمنع من ذلك.
أولًا: النزاع الظاهر… والجوهر المخفي
تُقدَّم الأزمة للرأي العام باعتبارها خلافًا حول مناطق حدودية، أبرزها محيط معبد برياه فيهير، مع العودة الدائمة إلى خرائط تعود للحقبة الاستعمارية الفرنسية. لكن هذه الملفات، رغم حساسيتها الرمزية، ليست سوى مخزون جاهز لإعادة التفجير عند الحاجة. فالنزاعات الحدودية غير المحسومة في دول ما بعد الاستعمار غالبًا ما تُترك عمدًا دون حل نهائي، لتُستَخدم لاحقًا كأدوات ضغط أو إعادة اصطفاف.
المعضلة الحقيقية ليست في تفسير خريطة أو حدود معبد، بل في توقيت إعادة إحياء الخلاف، وفي الأطراف التي تستفيد من بقائه مفتوحًا.
ثانيًا: لماذا الآن؟ سؤال التوقيت
تعود سخونة الأزمة في لحظة تشهد فيها المنطقة تحولات دقيقة:
- توسّع صيني هادئ لكن عميق في البرّ القاري لجنوب شرق آسيا، خصوصًا في كمبوديا وتايلاند.
- محاولات متزايدة لبناء تكامل اقتصادي إقليمي ضمن إطار آسيان، بعيدًا عن الهيمنة الغربية.
- قلق أمريكي واضح من تحوّل الإقليم إلى مجال نفوذ صيني مستقر وغير قابل للاختراق.
في هذا السياق، يصبح أي توتر بين دولتين محوريتين أداة فعّالة لتعطيل الثقة المتبادلة، وإضعاف أي إمكانية لتشكّل موقف إقليمي متماسك.
ثالثًا: ماذا تريد الولايات المتحدة فعلًا؟
الولايات المتحدة لا تتعامل مع الأزمة بوصفها نزاعًا يجب حله، بل كحالة يجب إدارتها. الهدف ليس كمبوديا ولا تايلاند بحد ذاتهما، وإنما البيئة الإقليمية ككل.
1. تفكيك التماسك الإقليمي
كلما زادت الخلافات البينية داخل آسيان، تراجعت قدرتها على اتخاذ مواقف مستقلة. الأزمات الثنائية تُبقي الدول منشغلة ببعضها، وتفتح المجال أمام “وسيط خارجي” لا يأتي لحل النزاع، بل لتنظيمه بما يخدم مصالحه.
2. إعادة ربط تايلاند أمنيًا بواشنطن
تايلاند حليف أمريكي قديم، لكنها خلال السنوات الأخيرة انتهجت سياسة توازن واضحة، وانفتحت اقتصاديًا على الصين. إعادة تنشيط أزمة حدودية يُذكّر النخب التايلاندية بأن الغطاء الأمني الأمريكي مشروط، وأن الابتعاد عن واشنطن له كلفة.
3. تحجيم كمبوديا كمنصة صينية
كمبوديا تُعد اليوم الحليف الأكثر صراحة لبكين داخل آسيان. أي توتر حدودي يُضعف استقرارها، ويُبرّر الضغط الدولي عليها، ويعرقل تحولها إلى عقدة لوجستية صينية آمنة على المدى الطويل.
رابعًا: الصين… الاستثمار في التهدئة لا في التصعيد
على النقيض من النموذج الأمريكي، لا تميل الصين إلى إشعال الأزمات، بل إلى استثمارها بعد اندلاعها.
- ترفض بكين تدويل النزاع أو نقله إلى منصات دولية.
- تتجنب الاصطفاف العلني مع أي طرف، مفضّلة القنوات الثنائية الهادئة.
- تستخدم الاقتصاد والتجارة والاستثمارات كوسائل تهدئة غير مباشرة.
الصين تدرك أن الاستقرار هو شرط أساسي لمشاريعها الكبرى، من البنية التحتية إلى سلاسل التوريد. لذلك، هي لا تسعى لحل جذري قد يفرض عليها دورًا قياديًا معلنًا، لكنها في الوقت نفسه تعمل على منع الانفجار، ومنع دخول أطراف خارجية جديدة إلى المسرح.
خامسًا: لماذا تُستدعى ماليزيا كوسيط؟
هنا تكمن إحدى أكثر النقاط دلالة في إدارة الأزمة.
ماليزيا ليست وسيطًا قويًا، ولا طرفًا قادرًا على فرض حل. لكنها تُقدَّم كوسيط “مريح”:
- ليست دولة تصادمية.
- لا تملك أدوات إلزام حقيقية.
- تتمتع بصورة الحياد والاعتدال.
هذا يجعلها مثالية لأداء دور شكلي: عقد لقاءات، إصدار بيانات، فتح قنوات، دون الاقتراب من جوهر المشكلة.
الهدف من إدخال ماليزيا
- إظهار حراك دبلوماسي بلا نتائج: تهدئة إعلامية، مع بقاء النزاع عمليًا.
- إبعاد الصين عن دور الوسيط المباشر: لأن قبول الصين كوسيط يعني الاعتراف بثقلها القيادي في الإقليم.
- إبقاء الأزمة داخل إطار آسيان الضعيف: دون السماح بحل حاسم، ودون تدويل فاضح.
حتى ماليزيا نفسها لا تبدو متحمسة لحل جذري، لأن الحل يعني مسؤولية، والفشل يعني إحراجًا، بينما إدارة الأزمة تمنح دورًا دبلوماسيًا دائمًا بلا كلفة حقيقية.
سادسًا: هل تملك الأطراف المحلية قرارها؟
- كمبوديا: هامش مناورتها محدود، وتعتمد اقتصاديًا بشكل كبير على الصين، لكنها تُستَخدم كنقطة احتكاك قابلة للتصعيد أو التجميد.
- تايلاند: تملك هامشًا أوسع، لكنها منقسمة بين نخب عسكرية تميل للولايات المتحدة، واقتصاد مرتبط بعمق بالصين.
- الشعوب: خارج المعادلة تمامًا، ولا تُستَحضَر إلا عبر خطاب قومي عند الحاجة.
الخلاصة: أزمة بلا نية للحل
ما يجري بين تايلاند وكمبوديا ليس نزاعًا يبحث عن تسوية، بل توتر محسوب يُدار بعناية. لا حرب شاملة، ولا سلام نهائي، فقط حالة وسط تخدم أطرافًا خارجية أكثر مما تخدم أي طرف محلي.
الملف الحدودي مجرد واجهة. أما الصراع الحقيقي، فهو على من يملك حق تنظيم الاستقرار في جنوب شرق آسيا: استقرار صيني بطيء ومتراكم، أم فوضى أمريكية منخفضة الشدة تُدار عن بُعد.
وفي هذا المشهد، تُستَخدم الوساطات، وتُستَحضَر الدول “المعتدلة”، لا لإنهاء الأزمة، بل لإبقائها قابلة للاستدعاء كلما تغيّر ميزان القوى.