
في المراحل التي يتوقف فيها التاريخ عن إنتاج التحوّلات الكبرى، لا يصمت العالم، بل يعلو ضجيجه. هنا تحديدًا يظهر دور الإعلام لا كناقل للحدث، بل كـ مولّد للحركة الوهمية. فحين تعجز السياسة عن اتخاذ قرارات حاسمة، وحين تستنزف القوى الكبرى أدواتها، يتكفّل الإعلام بملء الفراغ، لا عبر كشف الجمود، بل عبر تضخيم تفاصيله حتى تبدو حركة.
أولًا: من «الحدث» إلى «الإحساس بالحدث»
الإعلام المعاصر لم يعد معنيًا بصناعة حدث بقدر ما هو معني بصناعة إحساس دائم بأن شيئًا ما يحدث.
تصريح مسؤول، تسريب غير مكتمل، مناورة عسكرية محدودة، جلسة دبلوماسية بلا نتائج… تُقدَّم جميعها باعتبارها تطورًا.
لكن عند تفكيكها:
- لا تغيّر في موازين القوة
- لا تعديل في الاستراتيجيات
- لا مسار سياسي جديد
ما يحدث هو تدوير اللحظة نفسها بزوايا تصوير مختلفة.
ثانيًا: التضخيم كآلية إنكار
حين يدخل النظام الدولي مرحلة سكون استراتيجي، يصبح الاعتراف بالجمود خطرًا:
- اعتراف بالفشل
- اعتراف بانسداد الأفق
- اعتراف بأن الأدوات المستعملة لم تعد تنتج نتائج
لذلك يلجأ الإعلام إلى التضخيم لا ليخدع فقط، بل لينكر.
إنكار أن العالم عالق، وأن النخب السياسية تدير الأزمات بدل حلّها.
التضخيم هنا وظيفة نفسية قبل أن يكون إعلامية:
إبقاء الجمهور داخل حالة ترقّب دائم، كي لا يسأل السؤال الأخطر:
لماذا لا يحدث شيء حاسم؟
ثالثًا: الحركة الأفقية بدل التحوّل العمودي
هناك فرق جوهري بين:
- حركة تغيّر البنية
- حركة تتحرك داخل البنية ذاتها
الإعلام يروّج للحركة الأفقية:
- تصريحات تصعد ثم تهدأ
- توترات تُرفع ثم تُخفَّف
- تهديدات بلا تنفيذ
بينما يغيب التحوّل العمودي:
- لا نهاية لحرب
- لا بداية لنظام جديد
- لا سقوط لقوة كبرى
- ولا صعود مكتمل لقوة بديلة
النتيجة: حركة بلا اتجاه.
رابعًا: كيف يُصنع الوهم بصريًا ولغويًا؟
الإعلام لا يكتفي بالمحتوى، بل يعتمد أدوات محددة:
- عناوين مشحونة: تصعيد، مفاجأة، ضربة قريبة
- عدّ تنازلي دائم لحدث لا يأتي
- محللون يكررون السيناريوهات نفسها منذ سنوات
اللغة هنا لا تصف الواقع، بل تؤجّل مواجهته.
وكلما طال السكون، زادت حدة اللغة.
خامسًا: الجمهور كضحية شريكة
المشكلة لا تكمن في الإعلام وحده، بل في العلاقة التي بُنيت بينه وبين الجمهور:
- الجمهور يريد الإحساس بالحركة
- يخشى الاعتراف بالركود
- يفضّل التوتر المستمر على الفراغ
فيتحوّل الإعلام إلى مزوّد أدرينالين سياسي، لا إلى أداة فهم.
وهنا يفقد الخبر قيمته، ويصبح الاستهلاك ذاته جزءًا من المشكلة.
سادسًا: من يخسر من كشف السكون؟
كشف السكون يعني:
- مساءلة النخب
- فضح عجز المشاريع الكبرى
- كسر سرديات الهيمنة والتقدّم
لذلك لا مصلحة حقيقية في إعلام يقول بوضوح:
العالم لا يعرف إلى أين يذهب
الأخطر من الصراع هو التيه،
والإعلام مصمم لتجنّب هذه الحقيقة.
خاتمة: التحليل كفعل مقاومة
في زمن تُضخَّم فيه الحركة لإخفاء السكون، يصبح التحليل فعل مقاومة معرفية.
التحليل لا يسأل: ماذا قيل اليوم؟
بل: ما الذي لم يتغير منذ سنوات؟
وحين نكتشف أن الأخبار مجرد ارتدادات داخل مسار مغلق، نفهم أن المشكلة ليست في قلة الأحداث، بل في غياب التحوّل.
العالم لا يعيش ذروة، بل استنزافًا بطيئًا،
والإعلام هو الستار الذي يمنعنا من رؤية المسرح الخالي خلفه.