
لا يمرّ يوم دون أن تتصدّر أسعار الذهب نشرات الأخبار، وكأن صعوده أو هبوطه هو الحدث المركزي في حياة المجتمعات. يُقدَّم الذهب باعتباره مؤشرًا اقتصاديًا، وملاذًا آمنًا، وبوصلةً للمستقبل، بينما يُخفى السؤال الأهم: لماذا هذا الإصرار على تضخيمه إعلاميًا؟ ولماذا يُدفع الناس إلى متابعة أرقامه بدل فهم أسباب تآكل حياتهم الاقتصادية أصلًا؟ هذا المقال لا يناقش سعر الذهب، بل وظيفته السياسية والإعلامية في لحظة عالمية مأزومة.
أولًا: الذهب كإلهاء من الأزمة لا مرآة لها
في الظاهر، يبدو التركيز على الذهب منطقيًا: معدن ثمين، حساس للأزمات، يتفاعل مع الحروب والتوترات. لكن في العمق، يتحول الذهب إلى أداة إلهاء ناعمة.
حين تنشغل المجتمعات بسؤال:
هل سيرتفع الذهب أم يهبط؟
فهي لا تنشغل بالسؤال الأخطر:
لماذا تنهار العملات؟ ولماذا تُستنزف الأجور؟ ومن قرر هذه السياسات؟
الذهب هنا لا يكشف الأزمة، بل يُحيّدها. يختزل الانهيار البنيوي للاقتصاد العالمي في حركة سعر، بدل أن يُربط بالديون، وسياسات البنوك المركزية، وطباعة النقود، وتحالف رأس المال المالي مع السلطة السياسية.
ثانيًا: تحويل الانهيار الجماعي إلى مسؤولية فردية
أخطر ما في خطاب الذهب الإعلامي أنه يعيد صياغة الأزمة كمسألة اختيارات شخصية.
الرسالة الضمنية دائمًا:
- من اشترى الذهب في الوقت المناسب نجا
- ومن لم يشترِ خسر لأنه لم يُحسن التصرّف
بهذا المنطق:
- لا يعود الفقر نتيجة سياسات
- ولا يصبح التضخم جريمة اقتصادية
- بل يتحول إلى فشل فردي في “الإدارة المالية”
هذه هي النيوليبرالية في أنقى صورها:
النظام ينهب، والفرد يُلام لأنه لم يتحوّط.
ثالثًا: الذهب كبديل نفسي عن الاستقرار الحقيقي
في زمن اللايقين، تحتاج السلطة إلى شيء يمنح الناس شعورًا زائفًا بالأمان.
الذهب يؤدي هذا الدور بامتياز:
- لا يطالب بحقوق
- لا يعترض
- لا يغيّر النظام
- فقط يُشترى ويُخزَّن
الخطاب الإعلامي لا يقول صراحة:
لا أمان سياسي ولا اجتماعي
بل يهمس:
اشترِ ذهبًا… واهدأ.
وهنا يتحول الذهب من أداة تحوّط اقتصادية إلى مخدّر نفسي جماعي، يعوّض غياب العدالة، لا يواجهه.
رابعًا: التلاعب بالإطار الزمني وصناعة الارتباك
من يراقب تغطية الذهب يلاحظ مفارقات متعمدة:
- “الذهب يهبط”
- لكنه أعلى من إغلاق الجمعة
- أو أعلى من الشهر الماضي
- أو أقل من ذروة الأمس
هذا ليس تضاربًا بريئًا، بل لعب بالإطار الزمني (Framing):
- اختيار اللحظة التي تخدم العنوان
- تضخيم التذبذب
- خلق شعور دائم بعدم الاستقرار
النتيجة:
جمهور قلق، متابع، مشدود… لكنه غير واعٍ بالسياق الكلي.
خامسًا: ما الذي يُخفى خلف شاشة الذهب؟
حين يُدفع الرأي العام لمتابعة الذهب، تُدفن أسئلة أخطر، مثل:
- من يملك قرار طباعة النقود؟
- لماذا تُنقَذ البنوك وتُترك المجتمعات؟
- كيف تنتقل الثروة من الطبقة الوسطى إلى القلة المالية؟
- ولماذا يُدار الاقتصاد بمنطق المضاربة لا الإنتاج؟
الذهب هنا واجهة لاقتصاد مأزوم، لا جوهره.
الحديث عنه لا يهدد أحدًا، بينما الحديث عن النظام النقدي نفسه يهدد الجميع في القمة.
سادسًا: الذهب ليس بريئًا… لكنه ليس الجاني
من المهم توضيح نقطة:
الذهب بحد ذاته ليس المشكلة.
المشكلة هي طريقة استخدامه في الخطاب.
الذهب يصبح أداة تضليل حين:
يُقدَّم كحل شامل
يُفصل عن سياقه السياسي
يُستخدم لتسكين الغضب الاجتماعي
ويُطرح كبديل عن التغيير البنيوي
هنا يفقد الذهب حياده، ويتحول إلى جزء من آلية إدارة الوعي.
الخلاصة: لماذا الذهب؟ لأن الحقيقة أخطر
لا يُشغَل الرأي العام بأسعار الذهب لأنه أهم ملف اقتصادي،
بل لأنه أكثرها أمانًا على النظام.
الذهب لا يفضح:
السلطة
ولا السياسات
ولا التحالفات المالية
بل يختزل الأزمة في رسم بياني، ويحوّل الانهيار إلى لعبة توقيت.
وفي زمن تتآكل فيه الأجور، وتُصادَر فيه السيادة الاقتصادية،
يصبح السؤال الحقيقي ليس:
كم سعر الذهب اليوم؟
بل:
لماذا نُجبر على مراقبة الذهب بدل محاسبة من دمّر قيمة كل شيء؟