يكثر الحديث في الآونة الأخيرة عن “أزمة أمريكا” وامتداداتها إلى كندا، ويجري تداول الخطاب وكأننا أمام انهيار شامل للنموذج الغربي. غير أن هذا الطرح، رغم احتوائه على عناصر واقعية، يبقى قاصرًا إن لم يُفكَّك ضمن سياقه البنيوي والعلاقاتي. فالأزمة هنا لا تُفهم بمعزل عن طبيعة العلاقة غير المتكافئة بين المركز الأمريكي والطرف الكندي، ولا عن آليات إدارة التراجع داخل المنظومة الغربية نفسها.
أولًا: أمريكا… أزمة بنيوية لا انهيارًا مفاجئًا
الولايات المتحدة لا تعيش أزمة طارئة، بل تراكمًا طويل الأمد لاختلالات بنيوية. الدين العام المتصاعد، الاستقطاب السياسي الحاد، وتآكل الثقة بالمؤسسات ليست أعراضًا منفصلة، بل نتاج مسار تاريخي حوّل الدولة من فاعل منتج إلى مدير أزمات.
الخطورة لا تكمن في حجم الدين وحده، بل في تحوّل الاقتصاد الأمريكي إلى اقتصاد مالي يعتمد على المضاربة وإعادة تدوير الديون، بدل الإنتاج الحقيقي. هذا النمط يسمح بتأجيل الانفجار، لكنه يراكم الكلفة الاجتماعية داخليًا، ويجعل المجتمع أقل قدرة على تحمّل الصدمات.
ومع ذلك، فإن الحديث عن “انهيار وشيك” يتجاهل حقيقة أساسية:
أمريكا لا تزال تمتلك أدوات ترحيل أزمتها، سواء عبر الدولار، أو النفوذ المالي، أو التحكم بالمنظومة الدولية. ما نشهده هو إدارة أفول نسبي، لا سقوطًا فجائيًا.
ثانيًا: كندا… أزمة أوضح لأنها بلا أدوات ترحيل
إذا كانت أمريكا قادرة على إخفاء أزمتها خلف القوة، فإن كندا تعيش الأزمة بشكل أكثر مباشرة. فالدولة الكندية، رغم صورتها الليبرالية المستقرة، تعاني من اختلالات بنيوية عميقة:
- فقاعة عقارية جعلت السكن عبئًا وجوديًا على الطبقة الوسطى.
- تضخم تكاليف المعيشة مقابل نمو اقتصادي محدود.
- اعتماد مفرط على الهجرة كحل اقتصادي دون بنية تحتية كافية.
- اقتصاد شديد الارتباط بالسوق الأمريكي، بلا استقلال استراتيجي فعلي.
كندا لا تمتلك عملة عالمية، ولا نفوذًا عسكريًا، ولا قدرة على تصدير أزمتها. لذلك تظهر آثار التراجع بسرعة أكبر في الحياة اليومية للمواطن، وتُترجم في صورة تآكل صامت للنموذج الاجتماعي.
ثالثًا: العلاقة غير المتكافئة بين المركز والتابع
لفهم أزمة كندا، لا بد من فهم علاقتها بالولايات المتحدة. كندا ليست “شريكًا مساويًا”، بل جزء من الفضاء الاقتصادي والاستراتيجي الأمريكي. هذا الارتباط يجعلها:
- تتأثر مباشرة بالسياسات النقدية الأمريكية.
- تتحمّل نتائج القرارات التي لا تشارك في صنعها.
- تدفع ثمن إعادة تموضع الاقتصاد الأمريكي.
بمعنى أدق:
حين تدخل أمريكا مرحلة إدارة التراجع، تُعاد توزيع الكلفة داخل المعسكر الغربي، وتكون الدول الطرفية أول من يدفع الثمن. كندا هنا ليست ضحية انهيار، بل ضحية تبعية مستقرة.
رابعًا: أين التضليل في الخطاب السائد؟
الإعلام الغربي والعالمي يمارس نمطين متناقضين من التضليل:
- خطاب تهويلي يتحدث عن “انهيار الغرب” لجذب الانتباه.
- وخطاب نخبوي إنكاري يؤكد أن “كل شيء تحت السيطرة”.
الحقيقة أكثر تعقيدًا:
نحن أمام منظومة دخلت مرحلة استنزاف داخلي بطيء، حيث لا ينهار البناء، لكنه يفقد قدرته على الوفاء بوعوده الاجتماعية.
خامسًا: الأزمة الحقيقية ليست اقتصادية فقط
الاقتصاد ليس سوى السطح. الأزمة الأعمق هي أزمة شرعية ومعنى:
- لماذا يعمل الفرد أكثر ويملك أقل؟
- لماذا تفقد الديمقراطية قدرتها على التغيير الحقيقي؟
- لماذا تتحول الدولة من راعية إلى جهة ضبط؟
هذه الأسئلة لم تعد هامشية، وهي ما يفسر صعود الشعبوية، وتآكل الثقة، والانقسام المجتمعي في أمريكا وكندا معًا.
الخلاصة
أزمة أمريكا وكندا حقيقية، لكنها ليست انهيارًا، بل مرحلة انتقالية داخل المنظومة الغربية. أمريكا تدير أفولها بأدوات القوة، بينما تظهر آثار هذا الأفول بشكل أوضح في كندا بسبب موقعها التابع. ما نشهده ليس نهاية الغرب، بل بداية مرحلة إعادة تعريف قاسية للعقد الاجتماعي، يدفع ثمنها المواطن قبل الدولة.
والسؤال الأهم ليس: هل ينهار الغرب؟
بل: أي غرب سيبقى بعد انتهاء هذه المرحلة.