تفكيك نموذجين مختلفين للاستعمار لا يُحب الإعلام مقارنتهما
ليس اختفاء الشعوب الأصلية في أمريكا الشمالية، وبقاء نظيراتها في أمريكا الجنوبية، حادثًا تاريخيًا عابرًا ولا نتيجة “تفاوت حضاري” كما تُلمّح السردية الغربية. ما حدث هو نتاج خيار استراتيجي واعٍ، مرتبط بوظيفة الأرض والسكان داخل المشروع الاستعماري ذاته. الفارق لا يعود إلى أخلاق المستعمر، بل إلى حاجته من الأرض ومن الإنسان معًا. هنا يكمن الفرق الجوهري بين الإبادة والإخضاع.
أولًا: الاستعمار كمشروع وظيفي لا كحدث تاريخي
الخطأ الشائع هو النظر إلى الاستعمار باعتباره موجة واحدة بأسلوب واحد. في الواقع، كل استعمار صُمّم وفق سؤال مركزي:
هل نحتاج الأرض فقط… أم نحتاج الأرض ومن عليها؟
من هنا تشكّلت مدرستان استعماريتان متناقضتان:
- استعمار إحلالي يهدف إلى استبدال السكان.
- استعمار استغلالي يهدف إلى إخضاع السكان.
أمريكا الشمالية كانت ميدان الأول، وأمريكا الجنوبية كانت ميدان الثاني.
ثانيًا: أمريكا الشمالية – الأرض أهم من الإنسان
الاستعمار الإنجليزي ثم الأمريكي لم ينظر إلى السكان الأصليين بوصفهم قوة عمل أو كتلة يمكن إدارتها، بل بوصفهم عائقًا وجوديًا أمام مشروع بناء مجتمع أوروبي جديد.
منطق الإبادة هنا كان بسيطًا:
- الأرض الزراعية تحتاج استيطانًا دائمًا.
- المجتمع الجديد يريد إعادة إنتاج أوروبا، لا إدارة مجتمع مختلف.
- السكان الأصليون لا يمكن دمجهم دون تهديد هوية المشروع.
لذلك:
- كانت الإبادة خيارًا عمليًا، لا انحرافًا أخلاقيًا.
- لم تُبنَ نظم طبقية تضم السكان الأصليين، بل جرى تفكيكهم.
- تحوّل الناجون لاحقًا إلى “محميات” بلا وزن سياسي أو اقتصادي.
الإعلام الغربي يُسمي هذا “صدام حضارات”، بينما هو في الحقيقة إزالة منظمة لعائق ديمغرافي.
ثالثًا: أمريكا الجنوبية – الإنسان أداة لا تهديد
في المقابل، لم يكن هدف الإسبان والبرتغاليين بناء مجتمع أوروبي بديل، بل نهب الثروة بأقصى سرعة وبأقل كلفة بشرية أوروبية.
وهذا يغيّر كل شيء.
لماذا لم تُبَد الشعوب الأصلية؟
- لأن المناجم تحتاج عمالًا.
- لأن الزراعة تحتاج أيادي كثيفة.
- لأن الإدارة الاستعمارية تحتاج مجتمعًا خاضعًا لا أرضًا فارغة.
فبدل الإبادة:
- فُرضت تراتبية عنصرية صارمة.
- أُبقي على السكان الأصليين في القاع.
- جرى دمجهم قسريًا ضمن اقتصاد الاستغلال.
النجاة هنا ليست فضلًا أخلاقيًا، بل وظيفة اقتصادية.
رابعًا: الفرق بين الإزالة والإخضاع
هنا جوهر المسألة الذي يتجاهله الخطاب السائد:
| أمريكا الشمالية | أمريكا الجنوبية |
|---|---|
| إزالة السكان | إخضاع السكان |
| إحلال أوروبي كامل | إدارة استعمارية فوق مجتمع محلي |
| لا مكان للأصليين | مكان دون كرامة أو سلطة |
| إبادة جسدية وثقافية | إبقاء جسدي مع سحق ثقافي |
النتيجة:
- في الشمال: شعب اختفى تقريبًا.
- في الجنوب: شعوب باقية لكنها مُفرغة من القوة.
خامسًا: العامل الديني… أداة لا سبب
يُكثر الخطاب الغربي من الحديث عن الفرق بين البروتستانتية والكاثوليكية، لكنه يضخم العامل الديني ليُخفي العامل البنيوي.
نعم:
- البروتستانتية أقل قابلية للدمج.
- الكاثوليكية تقبل التراتبية.
لكن الحقيقة الأهم: الدين لم يحدد السلوك، بل خدم الحاجة الاستعمارية القائمة.
لو احتاج الإنجليز السكان الأصليين، لوجدوا فقهًا يبرر إبقاءهم.
ولو لم يحتج الإسبان إليهم، لكانت الإبادة أسرع.
سادسًا: الجغرافيا والديموغرافيا كعامل مساعد
لا يمكن إغفال:
- الكثافة السكانية العالية في حضارات الجنوب.
- التنظيم السياسي المتماسك (كالإنكا).
- صعوبة الإزالة الشاملة.
بينما في الشمال:
- قبائل متفرقة.
- كثافة أقل.
- سهولة التفكيك.
لكن هذا عامل تقني، لا مفسّر نهائي.
سابعًا: لماذا لا يُطرح هذا السؤال إعلاميًا؟
لأن المقارنة تكشف حقيقة مزعجة:
- الإبادة ليست انحرافًا استعماريًا.
- بل خيارًا عقلانيًا حين لا تكون الشعوب “مفيدة”.
وهذا يُسقط أسطورة “التقدم” و”التحضر” التي تُقدَّم بها التجربة الأمريكية حتى اليوم.
خاتمة: من نجا… ولماذا؟
الشعوب الأصلية في أمريكا الشمالية لم تختفِ لأنها ضعيفة،
والشعوب الأصلية في أمريكا الجنوبية لم تبقَ لأنها محظوظة.
الفرق الوحيد:
- الأولى لم يكن لها مكان في المشروع.
- الثانية كان لها مكان… في القاع.
وهنا تتجلى حقيقة الاستعمار كما هو:
ليس قصة اكتشاف،
ولا مسار تطور،
بل هندسة قاسية للأرض والإنسان وفق الحاجة.
وهذا ما لا يريد الإعلام أن يراه…
ولا أن يعلّمه.