حرب الرقائق: أشباه الموصلات: العمود الفقري الخفي للعالم الحديث


ليست أشباه الموصلات مجرد مكوّن تقني داخل الأجهزة، بل هي البنية الصامتة التي يقوم عليها العالم الحديث بكل تناقضاته. فخلف الشاشات اللامعة، والخطاب عن الابتكار والتقدم، تعمل رقائق دقيقة بحجم الظفر على إعادة تشكيل الاقتصاد، والسياسة، والحرب، دون أن تُرى أو يُلتفت إليها. هذه المقالة لا تسأل: ما هي أشباه الموصلات؟ بل: لماذا أصبحت شرطًا للهيمنة، وحدًّا فاصلًا بين من يملك القرار ومن يُدار به؟

أولًا: من المادة إلى السلطة

أشباه الموصلات، في جوهرها الفيزيائي، مواد تقع بين التوصيل والعزل، يمكن التحكم بسلوكها الكهربائي بدقة متناهية. لكن قيمتها الحقيقية لا تكمن في خصائصها الكيميائية، بل في قدرتها على تحويل الطاقة والمعلومة إلى قرار. فكل عملية حساب، وكل إشارة اتصال، وكل نظام توجيه أو استهداف، يمر حتميًا عبر شريحة.

هنا تتحول المادة إلى سلطة.
فالرقاقة ليست أداة تشغيل، بل وحدة تحكم في الزمن، والسرعة، والاستجابة، وهو ما يجعلها عنصرًا مركزيًا في إدارة العالم الحديث.

ثانيًا: وهم “التكنولوجيا المحايدة”

يُقدَّم التقدم التكنولوجي في الخطاب السائد بوصفه مسارًا طبيعيًا يخدم الإنسانية جمعاء، بلا انحياز ولا مصلحة. لكن أشباه الموصلات تكشف زيف هذا الوهم. فالتكنولوجيا، منذ لحظة تصميمها، تحمل في بنيتها أسئلة: من يملكها؟ من يطوّرها؟ من يُسمح له باستخدامها؟ ومن يُحرم منها؟

ليست المشكلة في وجود التكنولوجيا، بل في احتكار شروط الوصول إليها. فالعالم لا يُقسم اليوم إلى دول متقدمة وأخرى متخلفة، بل إلى:

  • من يملك مفاتيح السلسلة
  • ومن يعيش داخلها كمستهلك أو تابع

ثالثًا: ثلاث حلقات تحكم العالم

لفهم موقع أشباه الموصلات في النظام العالمي، يجب التمييز بين ثلاث حلقات غالبًا ما تُخلط عمدًا:

1. التصميم

وهو العقل النظري: المعمارية، البرمجيات، نماذج الأداء.
تهيمن عليه شركات أمريكية بالأساس.

2. التصنيع

وهو التحويل من فكرة إلى مادة.
متركز في نطاق جغرافي ضيق، أبرزُه تايوان وكوريا الجنوبية.

3. المعدات

وهي الحلقة الأخطر والأقل ظهورًا: الآلات التي تُنتج الشرائح نفسها.
وهنا يكمن عنق الزجاجة العالمي.

الخطاب الإعلامي يركّز على التصميم والتصنيع، لكنه يتجاهل الحلقة الثالثة لأنها غير قابلة للتعويض ولا للاختصار الزمني.

رابعًا: لماذا لا يمكن “اللحاق” بسهولة؟

تُختزل الفجوة التكنولوجية عادة في المال أو العقوبات أو الإرادة السياسية. لكن الواقع أكثر قسوة. أشباه الموصلات ليست صناعة يمكن استنساخها بقرار سيادي، لأنها نتاج:

  • تراكم معرفي لعقود
  • سلاسل توريد شديدة التعقيد
  • خبرة صناعية لا تُنقل بالوثائق
  • أخطاء تاريخية متراكمة تحولت إلى معرفة

ولهذا تفشل مشاريع “اللحاق السريع”، لأن الزمن هنا ليس عاملًا محايدًا، بل جزء من المنتج نفسه.

خامسًا: من الاقتصاد إلى الحرب

كل تحول في طبيعة الحرب يسبقه تحول في أدواتها. ومع انتقال العالم من الحروب الصناعية إلى الحروب الشبكية، أصبحت الرقاقة هي القلب الحقيقي للقدرة العسكرية:

  • الطائرات المسيّرة
  • أنظمة الدفاع الجوي
  • الذكاء الاصطناعي العسكري
  • الحرب السيبرانية
  • الاتصالات المشفرة

من يملك الشريحة المتقدمة، لا يحتاج إلى تفوق عددي.
يكفيه تفوق نوعي غير مرئي.

سادسًا: أشباه الموصلات كسلاح صامت

على عكس النفط أو السلاح التقليدي، لا تُستخدم أشباه الموصلات في التهديد العلني، بل في:

  • المنع
  • التعطيل
  • الإقصاء
  • إعادة رسم الحدود الاقتصادية

العقوبات الحديثة لا تبدأ بالقصف، بل بحرمان الخصم من التكنولوجيا. وحين تُقطع الرقاقة، يُقطع معها:

  • التطور الصناعي
  • التحديث العسكري
  • القدرة على المنافسة

إنها حرب بلا صور، لكنها الأشد فتكًا.

سابعًا: لماذا هذا الموضوع الآن؟

لأن العالم دخل مرحلة لم تعد فيها الصراعات تُفسَّر فقط بالخرائط أو الأيديولوجيا. ما يجري في أوكرانيا، وما يُحضَّر لتايوان، وما يُفرض على الصين، كلها حلقات في صراع واحد: من يسيطر على البنية التحتية غير المرئية للعالم؟

وأشباه الموصلات هي قلب هذه البنية.

خاتمة: ما سنفككه لاحقًا

هذه المقالة ليست نهاية، بل بداية تفكيك. في المقالات القادمة سننتقل من السؤال العام إلى التفاصيل الحاسمة:

  • من يسيطر على سلاسل أشباه الموصلات؟
  • لماذا تتركز أخطر حلقاتها في دول بعينها؟
  • كيف تحولت هولندا إلى مركز سيطرة عالمي دون ضجيج؟
  • ولماذا أصبحت تايوان أخطر نقطة تماس في النظام الدولي؟

فالعالم الحديث لا يُدار بما يُقال عنه،
بل بما يُخفى في بنيته.

سلسلة: حرب الرقائق: سيطرة القوة التقنية في الحروب الحديثة

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.