مع اهتزاز النموذج الغربي وتعدد مراكز القوة الدولية، يسود اعتقاد شائع بأن العالم العربي يقف على أعتاب فرصة تاريخية، وأن تراجع الغرب يعني بالضرورة تحسّن موقع الهامش. غير أن هذا التصور، رغم جاذبيته النفسية، يتجاهل حقيقة بنيوية قاسية: التحولات الدولية لا تُنقذ من لا يملك مشروعًا، ولا تمنح موقعًا لمن لم يحجزه بنفسه. وفي عالم يتغيّر بلا مركز واضح، يصبح غياب المشروع أخطر من التبعية ذاتها.
أولًا: لماذا لا يعني تراجع الغرب تحرّر العرب؟
التاريخ لا يعمل بمنطق الفراغات الأخلاقية. حين يضعف مركز ما، لا تتحرر الأطراف تلقائيًا، بل تدخل غالبًا في مرحلة إعادة توظيف.
العالم العربي، في بنيته الحالية، لم يبنِ:
- سيادة سياسية فعلية.
- اقتصادًا إنتاجيًا مستقلًا.
- منظومة قرار قادرة على المناورة.
لذلك فإن تراجع الغرب لا يفتح تلقائيًا باب الاستقلال، بل قد يفتح باب الفوضى أو الاستبدال الوظيفي.
ثانيًا: إعادة تعريف وظيفة المنطقة
في مرحلة ما بعد الهيمنة المطلقة، لم يعد يُنظر إلى العالم العربي بوصفه فضاءً للتنمية أو الشراكة، بل بوصفه:
- منطقة ضبط أمني.
- عقدة طاقة.
- ممرات بحرية وتجارية.
- ساحات صراع غير مباشر.
بمعنى آخر، لم تُخرج المنطقة من المعادلة، بل أُعيد تسعيرها استراتيجيًا.
وهذا أخطر من التهميش، لأنه يحوّل الدول إلى أدوات استقرار خارجي لا كيانات ذات مشروع داخلي.
ثالثًا: وهم “التحالف مع الشرق”
مع صعود الصين وروسيا، يتجه بعض الخطاب العربي إلى اعتبار الشرق بديلًا تحرريًا عن الغرب. غير أن هذا التصور يعاني من سذاجة سياسية:
- الصين تبحث عن أسواق، موارد، واستقرار يضمن سلاسل الإمداد.
- روسيا تبحث عن نفوذ وأوراق ضغط.
- لا أحد يبحث عن بناء دول عربية قوية مستقلة.
الشرق لا يقدّم وصاية أخلاقية، لكنه لا يقدّم مشروع نهضة أيضًا.
من دون مشروع ذاتي، يتحول “تنويع التحالفات” إلى تنويع أشكال التبعية.
رابعًا: مأزق الهامش في عالم بلا مركز
العالم اليوم لا تحكمه قطبية واضحة، بل شبكة قوى متنافسة.
وفي هذا السياق، تعيش المنطقة العربية ثلاثة فراغات متزامنة:
- فراغ سيادي: قرار مرتهن للخارج.
- فراغ اقتصادي: ريعية بلا إنتاج حقيقي.
- فراغ سردي: غياب مشروع جامع أو رؤية مستقبلية.
وفي عالم بلا سردية كبرى، من لا يمتلك قصته الخاصة يُكتب داخل قصة غيره، غالبًا بوصفه مشكلة لا شريكًا.
خامسًا: لماذا تبدو الأنظمة مستقرة والمجتمعات منهكة؟
الاستقرار الظاهري لا يعني سلامة البنية.
كثير من الدول العربية اليوم مستقرة أمنيًا، لكنها هشّة اجتماعيًا واقتصاديًا.
السبب أن “الاستقرار” يُدار كغاية بحد ذاته، لا كمرحلة لبناء عقد اجتماعي جديد.
الدولة هنا تؤمّن الهدوء، لكنها لا تنتج أفقًا.
وحين يغيب الأفق، يتحول الهدوء إلى جمود قابل للكسر.
سادسًا: ما الفرصة الممكنة وسط هذا المشهد؟
الحديث عن نهضة شاملة قد يبدو رومانسيًا، لكن هناك حدًا أدنى واقعي للبقاء:
- استقلال نسبي في القرار لا استقلالًا مطلقًا.
- تنويع العلاقات دون الارتهان لأي محور.
- تحويل الأمن من حماية أنظمة إلى حماية مجتمعات.
- الاستثمار في الإنسان والمعرفة لا في إدارة الولاءات.
هذه ليست شعارات، بل شروط النجاة في نظام دولي بلا ضمانات.
الخلاصة
العالم العربي لا يقف اليوم أمام فرصة تلقائية، بل أمام اختبار وجودي.
في عالم يتفكك فيه النموذج الغربي دون أن يولد بديل واضح، يصبح الخطر الأكبر هو البقاء في موقع الهامش، لا ضحية الغرب ولا شريك الشرق، بل مادة لإدارة الصراعات.
السؤال الحقيقي لم يعد:
من يحكم العالم؟
بل: هل نملك نحن القدرة على ألا نُحكم بالكامل؟