حرب الرقائق: من يملك الشريحة؟ خريطة السيطرة العالمية على التكنولوجيا

بعد فهم أن أشباه الموصلات ليست مكوّنًا تقنيًا بل بنية سلطة، يصبح السؤال التالي حتميًا: من يملك هذه البنية فعلًا؟

الإعلام يقدّم المشهد كتنافس بين شركات ودول، لكن الواقع أكثر تركيبًا؛ شبكة تحكم متعددة الحلقات، لا يملك أحدها كاملة، لكن بعضهم يمسك بالمفاصل الأخطر فيها. في هذا المقال نفكك خريطة السيطرة كما هي، لا كما تُسوَّق.

أولًا: وهم “الدولة التكنولوجية”

الخطاب الشائع يتحدث عن دول متقدمة وأخرى متأخرة، وكأن التكنولوجيا ملك سيادي صافٍ. لكن صناعة أشباه الموصلات كسرت هذا المنطق منذ زمن. فلا توجد دولة واحدة تتحكم بكل السلسلة، بل توزيع وظيفي مقصود يمنع الاستقلال الكامل لأي طرف.

التكنولوجيا الحديثة لا تُدار بمنطق السيادة، بل بمنطق الاعتماد المتبادل غير المتكافئ.
وهنا تبدأ اللعبة الحقيقية.

ثانيًا: الحلقة الأولى – التصميم (العقل)

التصميم هو المرحلة التي تُحدَّد فيها:

  • معمارية الشريحة
  • قدراتها
  • استخداماتها المدنية والعسكرية

تهيمن على هذه الحلقة شركات أمريكية بالأساس:

  • NVIDIA
  • AMD
  • Qualcomm
  • Apple

هذه الشركات لا تصنع شيئًا بيدها، لكنها تملك العقل النظري والملكية الفكرية.
ومن يملك التصميم يملك:

  • معايير الأداء
  • اتجاه التطوير
  • حدود ما يمكن وما لا يمكن

لكن امتلاك العقل وحده لا يعني امتلاك الجسد.

ثالثًا: الحلقة الثانية – التصنيع (الجسد)

هنا تتحول الأفكار إلى مادة.
وهذه أخطر مرحلة من حيث الكلفة والدقة، لكنها ليست الأخطر من حيث السيطرة.

تايوان: مركز الثقل

شركة واحدة تقريبًا تقف في قلب هذه الحلقة:
TSMC

  • تصنع النسبة الأكبر من الشرائح المتقدمة عالميًا
  • تعمل لصالح شركات أمريكية وأوروبية وآسيوية
  • لا تملك قرارها السياسي الكامل

تايوان ليست قوية لأنها دولة مستقلة، بل لأنها حلقة لا يمكن تجاوزها.
وهذا ما يجعلها نقطة تماس وجودية في الصراع العالمي.

كوريا الجنوبية: الشريك القَلِق

Samsung لاعب أساسي، خصوصًا في الذاكرة، لكنها:

  • أقل استقرارًا تقنيًا
  • أكثر ارتباطًا بالسياسة الأمريكية

وجودها يخفف الاحتكار، لكنه لا يكسره.

رابعًا: الحلقة الثالثة – المعدات (عنق الزجاجة)

هذه هي الحلقة التي لا يُحب الإعلام الحديث عنها، لأنها تكشف حقيقة السيطرة.

المعدات ليست مصانع ولا شرائح، بل:

  • الآلات التي تصنع الشرائح
  • الأدوات التي لا يمكن تعويضها
  • الزمن المتراكم داخل التكنولوجيا

وهنا يظهر الاسم الذي يغيّر كل المعادلة:
ASML – هولندا

شركة واحدة فقط تصنع آلات الطباعة الضوئية المتقدمة (EUV).
بدون هذه الآلات:

  • لا 5 نانومتر
  • لا 3 نانومتر
  • لا مستقبل تقني متقدم

من يملك هذه الحلقة، لا يحتاج لامتلاك باقي السلسلة.

خامسًا: أوروبا واليابان… النفوذ الصامت

يُقدَّم الصراع عادة كصراع أمريكي–صيني، لكن هذا التبسيط يخفي دورًا محوريًا لأطراف أخرى.

أوروبا

  • هولندا: ASML
  • ألمانيا: العدسات فائقة الدقة (Zeiss)

أوروبا لا تملك السردية، لكنها تملك الأدوات الحرجة.

اليابان

  • المواد الكيميائية فائقة النقاء
  • مكونات الليزر
  • أجزاء لا بديل لها

هذه الدول لا تتصدر العناوين، لكنها تمسك بمفاصل لا غنى عنها.

سادسًا: الصين… قوة بلا مفاتيح

الصين تمتلك:

  • سوقًا ضخمًا
  • قدرة صناعية هائلة
  • تمويلًا شبه غير محدود

لكنها تفتقد:

  • المعدات المتقدمة
  • بعض المواد الأساسية
  • الزمن التراكمي

ولهذا تبدو متقدمة ظاهريًا، لكنها مقيّدة بنيويًا.
العقوبات الغربية لم توقف الصين، لكنها حددت سقفها

سابعًا: أمريكا… السيطرة دون التصنيع

هنا المفارقة الكبرى.

الولايات المتحدة: لا تصنع معظم الشرائح، لكنها تتحكم في:

  • البراءات
  • المعايير
  • الأسواق
  • العقوبات

هي لا تحتاج أن تكون في كل حلقة، يكفيها أن تكون:

  • في البداية (التصميم)
  • وفي النهاية (القرار السياسي)

بهذا الشكل، تحولت من منتج مباشر إلى منسّق عالمي للهيمنة.

ثامنًا: لماذا هذه الخريطة خطيرة؟

لأنها:

  • تجعل أي استقلال تقني شبه مستحيل
  • تحول التكنولوجيا إلى أداة ابتزاز سياسي
  • تخلق نقاط انهيار عالمية (تايوان، هولندا)

العالم لا يقف على توازن قوى، بل على توازن أعطال محتملة.

تاسعًا: ما الذي يتجاهله الإعلام؟

الإعلام يتحدث عن:

  • سباق
  • منافسة
  • استثمار

لكنه لا يتحدث عن:

  • من يملك المفتاح الأخير
  • من يستطيع الإيقاف لا التشغيل
  • من لا يُرى لكنه يقرر

الهيمنة الحديثة لا تصرخ…
إنها تعمل بصمت.

خاتمة: من يملك الشريحة؟

ليس من يصمم فقط،
ولا من يصنع فقط،
بل من يملك الحلقة التي لا يمكن تجاوزها.

وفي عالم أشباه الموصلات:

السيطرة لا تكون في القمة… بل في أضيق ممر.

في المقال القادم، سنفكك هذا الممر بالتحديد، ونسأل السؤال الذي يتجنب الجميع الإجابة عنه:
لماذا هولندا وحدها تصنع آلات أشباه الموصلات؟

سلسلة: حرب الرقائق: سيطرة القوة التقنية في الحروب الحديثة

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.