حرب الرقائق: لماذا هولندا وحدها تصنع آلات أشباه الموصلات؟

حين يُطرح سؤال السيطرة التكنولوجية، تتجه الأنظار عادة إلى الولايات المتحدة أو الصين أو تايوان. لكن في قلب هذه الخريطة، تقبع دولة صغيرة، هادئة، لا تتصدر عناوين الصراع، ومع ذلك تمسك بالمفتاح الأخطر في النظام العالمي الحديث: آلة تصنيع الشريحة نفسها.
فكيف تحولت هولندا، بلا جيوش ولا ضجيج سياسي، إلى نقطة تحكم لا يمكن تجاوزها؟ ولماذا فشل الجميع في كسر هذا الاحتكار؟

أولًا: الآلة التي لا يُفترض أن تنجح

آلة تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة ليست مصنعًا، بل منظومة فيزيائية شبه مستحيلة. نحن نتحدث عن آلات الطباعة الضوئية فائقة التطور (EUV)، التي تعمل بضوء بطول موجي يقارب 13.5 نانومتر، أي على مستوى أقرب للذرة من الصناعة.

هذه الآلة:

  • تعمل في فراغ شبه مطلق
  • تتطلب دقة اهتزاز أقل من ذرة
  • تحتاج مرايا أدق من أي شيء صُنع صناعيًا
  • أي خلل بسيط فيها يجعل الشريحة غير صالحة

 ليست آلة واحدة، بل تراكم آلاف المستحيلات في جهاز واحد.

ثانيًا: ASML ليست شركة… بل مسار تاريخي

الاختزال الشائع يقول: “شركة هولندية احتكرت السوق”.
لكن الحقيقة أن ASML هي آخر من بقي واقفًا في سباق طويل من الانسحابات.

منذ الثمانينيات:

  • شركات أمريكية كبرى انسحبت
  • IBM تراجعت
  • Canon وNikon فشلتا في اللحاق
  • مشاريع بمليارات أُغلقت بلا نتائج

ASML لم تنجح لأنها الأقوى، بل لأنها:

  • قبلت الخسارة لعقود
  • راهنت على تقنية غير مضمونة
  • تلقت دعمًا طويل النفس من الدولة الهولندية
  • بَنَت شراكات بدل محاولة السيطرة المنفردة

 النجاح هنا ليس قفزة، بل بقاء.

ثالثًا: العدسة… نقطة الانكسار الكبرى

أخطر جزء في آلة EUV ليس الليزر ولا البرمجيات، بل:
المرآة/العدسة.

هذه المرايا:

  • لا تُصنع من زجاج تقليدي
  • تُصقل بدقة تقل عن 0.1 نانومتر
  • أي انحراف بسيط = فشل كامل

شركة واحدة فقط في العالم قادرة على ذلك:
Zeiss – ألمانيا

هنا تحديدًا:

  • فشلت الصين
  • تعثرت أمريكا
  • انسحبت اليابان

هذه ليست فجوة معرفة، بل فجوة خبرة تراكمية لا تُسرّع.

رابعًا: لماذا لم تستطع القوى الكبرى نسخها؟

لأن آلة EUV ليست منتجًا، بل:

  • سلسلة براءات متشابكة
  • خبرات لا تُكتب
  • أخطاء تحولت إلى معرفة
  • زمن مضغوط داخل المعدن

حتى لو امتلكت دولة:

  • المال
  • العلماء
  • الإرادة السياسية

فإنها تفتقد:

  • الزمن
  • شبكة الموردين
  • الفشل المتراكم الضروري للنجاح

ولهذا، لا يمكن “اللحاق” هنا بقرار سيادي.

خامسًا: هولندا… الحياد الذي أصبح سلطة

هولندا لم تدخل هذا المجال بدافع الهيمنة، بل بدافع الاندماج الصناعي الأوروبي. لكنها وجدت نفسها مع الوقت في موقع لم تخطط له:

  • تملك الحلقة الأندر
  • تتحكم في التطور دون أن تصنع الشرائح
  • تُمسك بالمفتاح دون أن تظهر في الواجهة

لكن هذا “الحياد” لم يعد حيادًا فعليًا.

سادسًا: أمريكا تسيطر دون أن تصنع

رغم أن ASML شركة هولندية، إلا أن:

  • جزءًا من تقنياتها أمريكي
  • بعض براءاتها أمريكية
  • سلاسل التوريد تمر عبر نفوذ واشنطن

لهذا:

لا تستطيع ASML بيع أحدث آلاتها للصين دون موافقة أمريكية.

وهنا تتجلى أخطر معادلة:

  • الآلة أوروبية
  • القرار سياسي أمريكي
  • التأثير عالمي

سابعًا: الصين أمام جدار غير مرئي

الصين تدرك أن المعركة ليست في المصانع، بل في الآلة. لكنها تصطدم بجدار لا يُقصف ولا يُخترق:

  • لا عدسات
  • لا ليزر متقدم
  • لا EUV

محاولات الالتفاف مستمرة، لكن كل تقدم:

  • بطيء
  • مكلف
  • دون سقف مفتوح

📌 ليست معركة سباق، بل معركة زمن.

ثامنًا: لماذا هذه الحلقة أخطر من تايوان؟

تايوان تصنع الشرائح.
لكن إذا دُمّرت المصانع، يمكن إعادة بنائها نظريًا.

أما آلة EUV:

  • فلا يمكن تعويضها
  • ولا استبدالها
  • ولا تسريع إنتاج بديل لها

لهذا:

من يملك آلة التصنيع، يملك مستقبل التصنيع نفسه.

خاتمة: الهيمنة التي لا تُرى

هولندا لا تحكم العالم،
ولا تدّعي السيطرة،
لكنها تمسك بالممر الذي لا بديل عنه.

في عالم أشباه الموصلات:

  • السلاح ليس الرقاقة
  • ولا المصنع
  • بل الآلة التي تصنع كل شيء

وفي هذا المستوى من الصراع:

من يتحكم في الأداة، لا يحتاج إلى خوض الحرب.

في المقال القادم، سنغادر التقنية إلى الجغرافيا، ونسأل:
لماذا أصبحت تايوان أخطر نقطة تماس في النظام العالمي؟

سلسلة: حرب الرقائق: سيطرة القوة التقنية في الحروب الحديثة

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.