
في الخرائط، تبدو تايوان جزيرة صغيرة على هامش الصين. وفي الخطاب الإعلامي، تُقدَّم كقضية “ديمقراطية” أو “نزاع سيادي” مؤجل. لكن خلف هذه الصور المبسّطة، تقف تايوان في موقع لا يشبه أي بقعة أخرى على الكوكب: قلب صناعي–تقني ينبض داخل جسد النظام العالمي.
السؤال الحقيقي ليس: هل ستغزو الصين تايوان؟
بل: ماذا يعني للعالم أن تتوقف تايوان؟
أولًا: لماذا لا تُقاس تايوان بحجمها؟
في الجغرافيا التقليدية، تُقاس الدول بالمساحة والسكان.
أما في الجغرافيا الحديثة، فتُقاس بـ وظيفتها داخل سلاسل السيطرة.
تايوان:
- لا تملك نفطًا
- لا تملك عمقًا استراتيجيًا
- لا تملك جيشًا قادرًا على مواجهة الصين
ومع ذلك، تُعامَل كقضية وجودية للغرب.
السبب بسيط وخطير: وظيفتها لا يمكن تعويضها.
ثانيًا: TSMC… المصنع الذي لا بديل له
في قلب تايوان تقف شركة واحدة:
TSMC
هذه الشركة:
- تصنع النسبة الأكبر من الشرائح المتقدمة عالميًا
- تُنتج الرقائق التي تقوم عليها:
- الهواتف الذكية
- مراكز البيانات
- الذكاء الاصطناعي
- الأنظمة العسكرية المتقدمة
ليست مجرد مصنع، بل عقدة مركزية في شبكة عالمية.
أي خلل فيها لا يؤثر محليًا، بل ينتشر كصدمة كونية.
ثالثًا: ماذا يعني “توقف تايوان” عمليًا؟
بعيدًا عن الخطاب السياسي، لنسأل السؤال الواقعي:
إذا توقفت مصانع TSMC أسبوعًا واحدًا:
- تتعطل سلاسل توريد عالمية
- تتوقف خطوط إنتاج في أمريكا وأوروبا
- ترتفع أسعار التكنولوجيا بشكل فوري
إذا توقفت شهرًا:
- انهيارات صناعية
- شلل في قطاعات حساسة
- أزمة ثقة عالمية
إذا خرجت من المنظومة:
إعادة ضبط قسرية للنظام العالمي
لهذا، تايوان ليست “حليفًا”، بل نقطة استقرار للنظام.
رابعًا: لماذا لا تستطيع أمريكا نقل الصناعة؟
يُطرح دائمًا سؤال ساذج:
لماذا لا تنقل أمريكا مصانع TSMC إلى أراضيها؟
الجواب:
لأن التصنيع المتقدم ليس آلات فقط. بل:- ثقافة صناعية
- شبكة مهندسين
- خبرة تراكمية
- بيئة أخطاء متراكمة
يمكن بناء مصنع،
لكن لا يمكن استنساخ النظام الذي جعله يعمل.
ولهذا، مشاريع “إعادة التوطين” بطيئة، مكلفة، ومحدودة الأثر.
خامسًا: الصين… بين السيادة والاختناق
من المنظور الصيني:
- تايوان قضية سيادة
- جرح تاريخي
- ملف لا يمكن تركه مفتوحًا إلى الأبد
لكن الصين تدرك أيضًا أن:
- السيطرة العسكرية لا تعني السيطرة الصناعية
- تدمير المصانع = خسارة الجميع
- الاستيلاء دون تشغيل = فشل استراتيجي
لهذا، المعضلة الصينية ليست عسكرية فقط، بل تقنية–زمنية:
كيف تستعيد الجزيرة دون أن تُحطم القلب؟
سادسًا: تايوان كسلاح ردع غير معلن
المفارقة أن تايوان نفسها تحولت إلى:
سلاح ردع صامت
ليس بجيشها، بل بـ:
- تعقيد مصانعها
- حساسية معداتها
- اعتماد العالم عليها
أي حرب شاملة:
قد تُنهي الوظيفة التي تجعل تايوان مهمة أصلًا
وهذا ما يجعل الجميع:
- يلوّح
- يضغط
- يهدد
سابعًا: لماذا تايوان أخطر من أوكرانيا؟
أوكرانيا:
- ساحة حرب
- مخزن موارد
- خط تماس عسكري
تايوان:
- عقدة نظام
- قلب تقني
- نقطة انهيار شامل
سقوط أوكرانيا يغيّر ميزان قوى.
أما سقوط تايوان، فيغيّر شكل العالم.
ثامنًا: الإعلام… تضليل الوظيفة
الإعلام يختزل القضية في:
- ديمقراطية vs شمولية
- استقلال vs وحدة
- شرق vs غرب
لكن هذا الخطاب:
- يُخفي الوظيفة الحقيقية
- يضلل الرأي العام
- يمنع فهم طبيعة الخطر
تايوان ليست رمزًا،
بل بنية تشغيل.
تاسعًا: لماذا الصراع مؤجل؟
لأن كل الأطراف تعلم:
- أن الحرب هنا ليست كأي حرب
- أن النصر العسكري قد يكون هزيمة تقنية
- أن الخسارة لا تُقاس بالأرض بل بالوظيفة
ولهذا:
- تُدار الأزمة بالضغط
- بالتطويق
- بالحرب النفسية
- وبالاستعداد الطويل
الصراع قائم، لكنه مجمّد عمدًا.
خاتمة: الجزيرة التي لا يُسمح لها بالسقوط
تايوان ليست جزيرة عادية،
ولا قضية أخلاقية خالصة،
ولا مجرد ملف سيادي.
إنها:
- قلب صناعي
- عقدة جيوسياسية
- مرآة لعالم لم يعد يُدار بالجيوش وحدها
وفي عالم أشباه الموصلات:
بعض الأماكن لا يُسمح لها أن تخسر… لأن خسارتها تعني خسارة الجميع.
في المقال القادم، سنواجه الرواية المقابلة، ونسأل:
هل تستطيع الصين كسر هذا القيد؟ أم أن “الاكتفاء الذاتي” مجرد أسطورة؟