
الحروب لا تُحسم، الأزمات لا تُغلق، التوترات لا تختفي بل تُدار.
الهدنة مؤقتة، والتصعيد محسوب، والقلق دائم.
السؤال لم يعد: لماذا لا يُحلّ الصراع؟
بل: من الذي يحتاج إلى بقائه في حالة معلّقة؟
الفوضى كنظام لا كاستثناء
التاريخ الكلاسيكي للصراعات كان يقوم على ثنائية واضحة: حرب ثم سلام.
أما اليوم فنحن أمام صيغة ثالثة: لا حرب كاملة ولا سلام مستقر.
في الحرب الدائرة في أوكرانيا مثلًا، لا يبدو أن أي طرف يسعى إلى حسم شامل بقدر ما يسعى إلى تحسين موقعه داخل صراع طويل الأمد. التصعيد يحدث، ثم تُضبط حدوده، ثم يُعاد التموضع. الأمر ذاته يمكن رصده في توترات الشرق الأوسط، حيث تستمر بؤر الاشتعال ضمن سقوف محسوبة.
هذا النمط لا يوحي بعجز النظام الدولي، بل بقدرته على إدارة مستوى معين من الفوضى دون السماح بانفجار شامل.
لماذا لا يُراد الحسم؟
الحسم العسكري أو السياسي مكلف للغاية:
- تكلفة مالية هائلة
- مخاطر انهيار تحالفات
- احتمال فقدان السيطرة على النتائج
أما الأزمة الممتدة فتوفر مزايا استراتيجية:
- تبرير دائم لإعادة التسلح
- إعادة تعريف أولويات الأمن القومي
- شرعنة إجراءات استثنائية داخل الدول
الفوضى المحدودة تتيح إعادة تشكيل التوازنات دون تحمّل كلفة إعادة بنائها من الصفر.
إعادة هندسة التحالفات تحت ضغط التوتر
حين تستمر الأزمات، تتغير الخريطة بصمت.
دول أوروبية أعادت صياغة عقيدتها الدفاعية بعد حرب أوكرانيا.
دول آسيوية عززت شراكاتها الأمنية في ظل صعود الصين.
قوى إقليمية في الخليج وشرق آسيا باتت تمارس سياسة توازن دقيقة بين الولايات المتحدة وخصومها.
الفوضى هنا ليست فوضى عمياء؛ إنها بيئة ضغط تُجبر الفاعلين على إعادة التموضع.
الدولة المتوسطة: فنّ النجاة في زمن السيولة
الدول المتوسطة لم تعد قادرة على الانخراط في محاور صلبة كما في الحرب الباردة.
هي اليوم تتحرك في مساحة رمادية:
- تنفتح اقتصاديًا شرقًا
- تتحالف أمنيًا غربًا
- تحافظ على قنوات اتصال مع الجميع
هذه البراغماتية ليست تعبيرًا عن قوة، بل عن إدراك هشاشة البيئة الدولية.
الاستقرار لم يعد مضمونًا، والتحالف الدائم لم يعد ممكنًا.
الفوضى كغطاء لإعادة تعريف السلطة داخليًا
إدارة الفوضى لا تقتصر على الساحة الدولية.
داخل الدول نفسها، تُستخدم الأزمات لتوسيع صلاحيات الدولة، إعادة ضبط الإنفاق، وتوجيه الرأي العام نحو أولويات محددة.
حين يكون “الخطر” دائمًا، يصبح الاستثناء قاعدة.
وحين يكون “التهديد” حاضرًا، تصبح السياسات الطارئة جزءًا من الحياة اليومية.
من منطق الحل إلى منطق الإدارة
التحول الأهم ليس في طبيعة الصراعات، بل في فلسفة التعامل معها.
لم يعد الهدف إنهاء الأزمة، بل التحكم بإيقاعها.
- تصعيد محدود يمنع الجمود
- تهدئة محدودة تمنع الانفجار
- ضغط اقتصادي يعيد التوازن
- خطاب إعلامي يحافظ على التعبئة
هكذا تتحول الفوضى إلى أداة تنظيم غير معلنة.
هل نحن أمام نظام جديد؟
ما نشهده لا يشبه فوضى انهيار، بل انتقالًا إلى صيغة إدارة مختلفة.
النظام الدولي لم يفقد السيطرة؛ بل غيّر أسلوبها.
الاضطراب المستمر يمنح القوى الكبرى قدرة على:
- إعادة توزيع النفوذ تدريجيًا
- اختبار ردود الفعل
- إعادة هندسة الاقتصاد العالمي
- ضبط تحركات الفاعلين الإقليميين
إنه نظام يقوم على اللايقين المُدار.
الخلاصة
لسنا في مرحلة اضطراب عابر، بل في مرحلة أصبح فيها الاضطراب أداة حكم.
الفوضى لم تعد نتيجة خلل في النظام، بل وسيلة لإعادة تشكيله.
وحين يتحول التوتر إلى حالة دائمة، يصبح السؤال الحقيقي:
من يملك مفاتيح ضبطه، ومن يُدار داخله؟