العقوبات الاقتصادية: سلاح الغرب الذي لا يصيب إلا الشعوب

منذ نهاية الحرب الباردة، تحوّلت العقوبات الاقتصادية إلى الأداة المفضّلة في يد القوى الكبرى لفرض هيمنتها تحت غطاء قانوني "إنساني". ولم تعد الحروب ضرورة لفرض الإذعان، فهناك الآن طريقة أكثر نعومة وأشد فتكًا: العقوبات. هذا السلاح الحديث لا يصدر أصواتًا ولا يخلف ركامًا، لكنه يفتك بالمستشفيات، ويُشلّ الأسواق، ويُنهك الشعوب جوعًا وحصارًا دون إطلاق رصاصة واحدة.

الخطاب الرسمي للغرب يدّعي أن هذه العقوبات تستهدف "الأنظمة الاستبدادية"، و"تدفعها لاحترام القانون الدولي"، لكن الواقع يقول غير ذلك: فكلما اشتدت العقوبات، سقط الضحايا من المدنيين لا من الحكّام، وتكشّفت وظيفة هذا السلاح الحقيقية: تجويع الشعوب لردعها عن التفكير في التمرّد على النظام العالمي.

عقوبات... أم حصار ناعم مقنّع؟

في الشكل، تُفرض العقوبات ضمن أطر قانونية عبر قرارات من مجلس الأمن أو المؤسسات الغربية. لكنها في الجوهر ليست سوى حصار ممنهج، يُغلق المنافذ الاقتصادية أمام الدول "المتمردة"، ويُحاصر شعوبها بالحرمان لا بالصواريخ.

تُقطع عن البلد المستهدف موارده الطبيعية، تُمنع تحويلاته البنكية، يُحظر عليه شراء التكنولوجيا أو بيع المنتجات، ويُعاقَب كل من يتعامل معه. إنها عودة إلى الحصار الكلاسيكي، لكن عبر أدوات مالية وشبكات دولية، تجعل الاقتصاد كله يتحوّل إلى سجن جماعي مغلق.

من يدفع الثمن؟

الأنظمة التي تُفرض عليها العقوبات عادةً ما تكون قد طوّرت آليات للبقاء. النخب الحاكمة تمتلك الأصول المحمية والقدرة على الالتفاف، أما المتضرر الأول فهو المواطن العادي.
تُقفل المصانع، تُنهك العملة المحلية، تنهار المؤسسات الصحية، ويُصبح الحصول على الغذاء والدواء صراعًا يوميًا.
الهدف المبطَّن؟ إيصال الشعوب إلى نقطة الانهيار، لعلها تضغط على حكّامها أو تُسقِطهم.

لكن هذه الفرضية شديدة السذاجة. فبدلًا من أن تطيح العقوبات بالأنظمة، فإنها غالبًا ما تُعززها، إذ يجد الحاكم مبررًا للقبضة الأمنية، ويُجيّش خطاب "الضحية"، بينما يُحمِّل الخارج مسؤولية الفشل الداخلي.

انتقائية مزدوجة: العقوبات ليست أداة أخلاقية

إذا كانت العقوبات أداة لمعاقبة من ينتهك القانون الدولي، فلماذا لا تُفرض على كل من يرتكب الجرائم؟
لماذا لا تُفرض على الأنظمة القمعية التي تُعد حليفة للغرب؟ ولماذا تُستخدم فقط ضد دول تُخالف الإرادة الأمريكية أو تخرج عن الطاعة الاستراتيجية؟

الجواب واضح: العقوبات ليست وسيلة لتحقيق العدالة، بل أداة لضبط الاصطفاف.
فهي لا تستند إلى معيار إنساني، بل إلى منطق القوة والمصلحة:

  • الدولة التي ترفض التطبيع تُعاقب.
  • الدولة التي ترفض التموضع داخل الحلف تُجَوّع.
  • الدولة التي تطوّر قدراتها خارج الإشراف الغربي تُخنق اقتصاديًا.

الحق لا مكان له في هذه المعادلة. كل ما هناك هو تطويع الشعوب وقهر إرادتها بوسائل اقتصادية "نظيفة المظهر".

المؤسسات الدولية كأذرع للعقاب الجماعي

منظمة التجارة العالمية، صندوق النقد، نظام "سويفت" البنكي، كلها أدوات بيد الكبار لفرض الطاعة. فالعقوبات لم تعد قرارات سياسية عابرة، بل أصبحت جزءًا من منظومة الحُكم الدولي، حيث تُدار العلاقات لا عبر الحوار، بل عبر الابتزاز الاقتصادي.

بل إن مجرد التهديد بالعقوبات بات كافيًا لتغيير سياسات دول بأكملها، أو دفعها للتخلي عن قرارات سيادية، أو توقيع اتفاقات مذلّة. وهكذا تتحوّل السيادة إلى ورقة تفاوض، لا إلى حق أصيل.

خلاصة الفرق: العقوبات ليست سياسة ضد الأنظمة... بل سلاح ضد الشعوب

الفرق الجوهري بين الخطاب الغربي الذي يبرر العقوبات، والواقع الذي تخلّفه، هو أن العقوبات لا تضعف الطغاة بل تقتل المقهورين.
إنها ليست سياسة لردع "السلوك السيئ"، بل سلاح هندسي يُعيد تشكيل العالم بما يخدم هيمنة الأقوياء، ويمنع أي محاولة للتمرّد الاقتصادي أو الاستقلال الحقيقي.

إن أخطر ما في العقوبات ليس الجوع، بل كسر الإرادة، وتحويل الشعوب إلى رهائن لدى القرار الغربي.
وهنا، يكمن الفرق بين الخطاب الأخلاقي الظاهري، والوظيفة السياسية الحقيقية.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.