
من أشعل الحروب؟ من دعم الانقلابات؟ من نهب الموارد؟ من رسم حدود الخراب التي دفعت الملايين إلى اقتلاع جذورهم قسرًا؟
اللجوء ليس ظاهرة طبيعية، بل نتيجة هندسية مركبة، تُسهم فيها قوى دولية وإقليمية بسياسات محسوبة، ثم تتنصّل من مسؤوليتها وتُعيد إنتاج الضحية كمشكلة أمنية أو إنسانية.
اللاجئ كنتاج سياسات لا كحادث عرضي
في معظم الخطابات، يُصوَّر اللاجئون على أنهم "ضحايا صدف مؤسفة"، لكن الحقيقة أن أغلب موجات اللجوء الجماعي جاءت بعد تدخلات عسكرية مباشرة، أو أزمات اقتصادية مصنّعة، أو انهيارات سياسية أُديرت من الخارج.
اللاجئون السوريون، العراقيون، الفلسطينيون، اليمنيون، الأفغان، الليبيون… لم يغادروا بلادهم لأنهم يكرهون أوطانهم، بل لأن أوطانهم أُفرغت من الأمان والحياة بفعل أدوات محلية تخضع لأوامر فوقية، وأجندات لا تترك خيارًا سوى الهرب.
اللافت أن من يتصدّر الخطاب الإنساني اليوم، هم أنفسهم الذين دعّموا الأنظمة القمعية، أو أشعلوا الحروب بالوكالة، أو فرضوا عقوبات خانقة دمّرت اقتصاد الدول الضعيفة. ثم، حين يبدأ النزوح، يخرجون علينا بخطابات الشفقة والتمويل المشروط، ويطالبون الدول المجاورة بفتح حدودها، بينما يغلقون أبوابهم المحكمة، ويحاصرون اللاجئ بأسلاك قانونية ومادية ومفاهيمية.
الهندسة السكانية: الوجه الخفي للمأساة
الأخطر من ذلك، أن بعض الدول لا تكتفي بصناعة اللجوء، بل تستخدمه كأداة هندسة ديمغرافية:
- تهجّر شعوبًا بأكملها لتفريغ مناطق استراتيجية.
- تُعيد توزيعهم بما يخدم موازين سياسية وأمنية واقتصادية.
- تُغرق بعض البلدان الصغيرة بموجات لجوء لزعزعة استقرارها.
- وتمنح اللجوء الانتقائي لشرائح معيّنة بهدف التوظيف السياسي لاحقًا.
بهذا، يتحوّل اللاجئ من إنسان مكلوم إلى ورقة في معادلة جيوسياسية أكبر منه، يُستثمر وجوده كأداة ضغط، أو كذريعة أمنية، أو كوسيلة تمويل للمنظمات، دون أن يُنظر إليه ككائن له حقّ في وطن وقرار وسيادة.
التواطؤ الحقوقي والإعلامي: شفقة بلا عدالة
تتسابق منظمات حقوق الإنسان في إصدار تقارير عن معاناة اللاجئين، لكنها نادرًا ما تُوجّه أصابع الاتهام إلى من تسبّب بالمأساة.
تركّز الكاميرا على الطفل الغريق، وتُهمل الموقّع على قرار الحرب.
تُسلَّط الأضواء على طوابير المساعدات، وتُعتم على صفقات السلاح، وغرف العمليات، والفيتوهات التي عطّلت الحلول.
إن ما يحدث ليس فقط إخفاءً للجذر السياسي، بل إعادة صياغة السردية بالكامل: اللاجئ ليس نتيجة، بل مُشكلة؛ ليس ضحية منظومة، بل عبء على المنظومة.
اللاجئ بين المطرقة والسندان
اللاجئ اليوم يُمنَع من العودة إلى وطنه، ويُضيَّق عليه في منفاه، ويُحمَّل ذنب وجوده.
في بعض الدول يُمنَع من العمل، وفي أخرى يُفرض عليه العيش في مخيمات معزولة، وفي حالات كثيرة يُستَخدم كورقة مساومة في مفاوضات دولية.
ولم يعد السؤال: كيف نُساعد اللاجئ؟
بل: كيف نُخفيه؟ كيف نُقنّن وجوده؟ كيف نُعيد تصديره؟
وهذا وحده كفيل بكشف حقيقة المنظومة: إننا لا نعيش في عالم يُخطئ ثم يتدارك، بل في عالم يصنع المأساة عمدًا، ثم يديرها بحسابات باردة.
خاتمة: من يملك حق اللجوء؟ ومن يملك جريمة التهجير؟
العدالة لا تبدأ عند استقبال اللاجئ، بل عند منع إنتاجه.
ولا معنى لأي خطاب إنساني لا يواجه من صاغ الحرب، ومن عطّل الحلول، ومن تعامل مع الإنسان كمجرد تدفّق قابل للإدارة.
اللاجئ ليس أرقامًا في ملف أممي، بل شاهد على خريطة عالم لا تُدار بالحق، بل بالمصالح.
وحتى تُقال الحقيقة كما هي، لا بد من الاعتراف أن من يرفض اليوم استقبال اللاجئ، هو ذاته من خلق المأساة التي أنتجته.