صعود منطق الفوضى المُدارة: حين تصبح اللا-نهاية استراتيجية

لم يعد العالم يُدار على أساس الاستقرار، ولا حتى على أساس الصراع الحاسم، بل وفق منطق أكثر خبثًا: الإبقاء على الفوضى دون انفجار، وعلى التوتر دون حل. ما نشهده اليوم ليس فشلًا في النظام الدولي، بل تحوّلًا واعيًا نحو نموذج جديد: الفوضى المُدارة، حيث لا تُحسم الأزمات، بل تُدار، ولا تُحل النزاعات، بل تُستثمر.

أولًا: ما هي الفوضى المُدارة؟

الفوضى المُدارة ليست حالة انهيار شامل، بل حالة ضبط غير مستقر:

  • صراعات بلا نهايات
  • أزمات بلا حلول
  • توترات تُخفَّف حينًا وتُشعل حينًا آخر

هي فوضى محسوبة الإيقاع، لا تسمح بالاستقرار، ولا تقود إلى الحرب الكبرى.
هدفها ليس الانتصار، بل التحكّم بمستوى الفوضى.

ثانيًا: من منطق النظام إلى منطق التعليق

في النظام العالمي السابق:

  • كانت الأزمات تُحل باتفاقيات
  • أو تُحسم بحروب
  • أو تُغلق بتسويات واضحة

اليوم، انتقلنا إلى منطق التعليق الدائم:

  • لا سلام نهائي
  • لا حرب شاملة
  • لا إعادة بناء حقيقية

كل شيء مؤجَّل، معلق، قابل للاشتعال في أي لحظة، دون الوصول إلى الذروة.

ثالثًا: لماذا تُفضّل القوى الكبرى الفوضى المُدارة؟

لأن الحسم مكلف، والاستقرار مُلزِم، أما الفوضى المُدارة فهي:

  • أقل كلفة
  • أعلى مرونة
  • أسهل في التكيّف

1. تمنع تشكّل بدائل مستقرة

الاستقرار يسمح بولادة قوى جديدة.
الفوضى تُبقي الجميع في حالة إنهاك وانتظار.

2. تبرر التدخل المستمر

حين لا تنتهي الأزمة، لا ينتهي “الدور الدولي”، ولا تنتهي الوصاية.

3. تُبقي القرار بيد الخارج

الدول الغارقة في الفوضى لا تملك ترف الاستقلال الاستراتيجي.

رابعًا: الفوضى المُدارة في السياسة الدولية

نلاحظ هذا المنطق بوضوح في:

  • نزاعات تُدار عبر الوسطاء دون حسم
  • اتفاقيات مؤقتة قابلة للنقض
  • خطوط تماس لا تتحول إلى حدود نهائية

السياسة هنا لا تهدف إلى إنهاء الصراع، بل إلى ضبط مستواه بحيث:

  • لا يهدد النظام العالمي
  • ولا يسمح بولادة واقع جديد مستقل

خامسًا: الاقتصاد كأداة للفوضى المُدارة

الفوضى لم تعد عسكرية فقط، بل اقتصادية أيضًا.

نموذج الاقتصاد العالمي اليوم يقوم على:

  • أزمات ديون بلا حلول جذرية
  • تضخم يُدار لا يُعالج
  • فقر يتوسع دون انهيار شامل

الغاية:

  • إبقاء المجتمعات تحت ضغط دائم
  • دون الوصول إلى لحظة الانفجار الكامل

اقتصاد القلق المستمر أكثر طواعية من اقتصاد الاستقرار.

سادسًا: الإعلام… مُبرمج الفوضى الناعمة

الإعلام لا يصنع الفوضى، لكنه يضبط إيقاعها.

كيف؟

  • تضخيم حدث ثم تجاهله
  • تحويل الكارثة إلى “تطور”
  • تأطير الانهيار بوصفه مرحلة انتقالية

الإعلام لا يشرح لماذا لا تنتهي الأزمات، بل يُقنع الناس بأن هذا هو “الوضع الطبيعي الجديد”.

سابعًا: المجتمعات داخل الفوضى المُدارة

أخطر ما في هذا النموذج ليس الخراب، بل التكيّف القسري.

الناس:

  • تعيش في قلق دائم
  • تخطط على المدى القصير
  • تفقد الإحساس بالمستقبل

وهنا يتحقق الهدف الأعمق:

مجتمع بلا أفق طويل… مجتمع يسهل ضبطه.

ثامنًا: لماذا لا تنهار الفوضى المُدارة؟

لأنها مصمَّمة لتبقى عند الحافة:

  • لا تسقط
  • ولا تستقر

هي حالة بينية:

  • كافية للاستنزاف
  • غير كافية للانفجار

وهذا ما يجعلها أخطر من الفوضى العشوائية.

تاسعًا: الفوضى المُدارة كبديل عن النظام

العالم اليوم لا يملك نظامًا دوليًا جديدًا، لكنه وجد بديلًا مؤقتًا فعالًا:

  • إدارة الاضطراب بدل حله
  • توزيع الخسائر بدل إنهائها
  • إطالة المرحلة الانتقالية بلا أفق

هذا ليس فشلًا في القيادة، بل اختيارًا استراتيجيًا في مرحلة انسداد تاريخي.

عاشرًا: ما الذي تكشفه الفوضى المُدارة؟

تكشف أن:

  • القوى الكبرى فقدت القدرة على البناء
  • لكنها ما زالت تملك القدرة على التعطيل
  • والعالم يُدار اليوم بمنطق “منع الأسوأ” لا “صناعة الأفضل”

الخلاصة: عالم بلا نهاية مفتوحة

الفوضى المُدارة ليست مرحلة عابرة، بل نمط حكم عالمي:

  • يستهلك الوقت
  • يبدّد الطاقات
  • ويؤجل الانفجارات

لكنها لا تلغيها.

أخطر ما في الفوضى المُدارة أنها لا تبدو كارثية…
لكنها تمنع أي خروج حقيقي من الكارثة.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.