إسرائيل: حين لا تخاف ولا تعبأ بالقانون.. سقوط الشرعية كأداة ردع

لم تعد الشرعية الدولية تُخيف إسرائيل، ولا التقارير الحقوقية تردعها، ولا قرارات مجلس الأمن تُقيدها. لقد وصلت تل أبيب إلى مرحلة من التصلّب السياسي تجعلها تتصرف كقوة فوق القانون، وبدعمٍ مكشوف من النظام الغربي الذي يُنادي بالقيم ذاتها التي تنتهكها إسرائيل يوميًا.

لكن هذا التمرد على الشرعية لا يعني غياب الثمن، بل تأجيله. فبينما تظن إسرائيل أنها تحكم بالنار، يتآكل محيطها السياسي والأخلاقي ببطءٍ من داخل النظام الدولي نفسه، ومعه تتراجع قدرتها على البقاء كـ"دولة طبيعية" في نظر العالم.

1. الشرعية الدولية بين القانون والسياسة

حين نتحدث عن "الشرعية الدولية"، فنحن لا نتحدث عن منظومة عدالة مثالية، بل عن توازن قوى مغلف بخطاب قانوني.
منذ تأسيسها، أدركت إسرائيل أن القانون الدولي لا يُطبَّق بالتساوي، بل يُستخدم أداة في يد الأقوى. لذلك لم تسعَ يومًا إلى احترامه بقدر ما سعت إلى تطويعه داخل المنظومة الغربية.
فهي لا ترفض قرارات الأمم المتحدة علنًا، بل تُفرغها من مضمونها عبر سلسلة من التبريرات: “الدفاع عن النفس”، “مكافحة الإرهاب”، “حماية المدنيين الإسرائيليين”.
بهذا الأسلوب، أصبحت الشرعية الدولية بالنسبة لإسرائيل درعًا للعدوان لا قيدًا عليه.

2. الحصانة الغربية: حماية من الحساب لا من الانكشاف

ما يجعل إسرائيل مطمئنة ليس قوتها العسكرية فقط، بل الحماية السياسية الأمريكية والأوروبية التي تضمن إفلاتها من العقاب.
كل تحقيق أممي يتم دفنه بتصويت غربي، وكل دعوة لمحاكمة دولية تواجه بالفيتو الأمريكي.
لكن هذه الحماية لم تعد كما كانت. فكل مرة تُستخدم فيها واشنطن لإنقاذ تل أبيب من المحاسبة، تخسر الولايات المتحدة جزءًا من مكانتها الأخلاقية أمام العالم.
لقد باتت إسرائيل عبئًا على حاميها الغربي، لأنها تُجبره على الدفاع عن جرائم تُناقض مبادئه المعلنة. وهذا التناقض هو ما يُحدث التآكل البطيء في النظام الليبرالي الغربي نفسه، الذي يبرر الاحتلال باسم “حقوق الإنسان”.

3. نقض الاتفاقات: سلاح بلا كلفة فورية

في حال نقضت إسرائيل اتفاق وقف النار الذي أُبرم بوساطة ترامب في 2025، فلن تواجه عواقب مباشرة.
لن تُفرض عليها عقوبات، ولن تُحاكم قادتها، ولن تُقاطع اقتصاديًا.
لكنها في المقابل ستدفع ثمنًا تراكميًا على مستوى المصداقية السياسية.
كل اتفاق تُبرمه ثم تنقضه يجعل الأطراف الوسيطة أقل رغبة في التورط مستقبلًا، لأنهم يدركون أن تل أبيب لا تلتزم بما توقع.
هذه ليست خسارة أخلاقية فحسب، بل تآكل في الثقة الاستراتيجية التي تحتاجها إسرائيل لتبقى جزءًا من المنظومة الغربية المتماسكة.

4. حماس لا تراهن على العدالة.. بل على الفضيحة

خطأ من يظن أن المقاومة الفلسطينية تراهن على عدالة القانون الدولي.
الرهان الحقيقي هو فضح عجز هذا القانون أمام الشعوب، وتحويل تواطئه إلى مادة وعي سياسي عالمي.
كل مرة تُقصف فيها غزة وسط صمت الأمم المتحدة، يتوسع جمهور المشككين في نزاهة الغرب.
وحين تُنقض الهدنة بعد تبادل الأسرى، يصبح المشهد أكثر وضوحًا:
الضحية التزمت، والمعتدي هو من خان الاتفاق، والعالم الغربي هو من وفّر له الغطاء.
في هذه اللحظة، تتحول كل وثيقة وكل فيديو وكل شهادة من غزة إلى ذخيرة رمزية في معركة الوعي العالمي.

5. الردع خارج الميدان

إسرائيل تُدرك أن ميزان القوة في الميدان يميل لصالحها، لكنها تخسر شيئًا أخطر: صورة الدولة العاقلة التي تُسيطر على سلوكها.
حين تُقصف المستشفيات وتُقمع الهدن، يتحول الجيش الإسرائيلي في أعين الشعوب إلى ميليشيا مدججة بشرعية زائفة.
وهنا يصبح الردع غير العسكري هو السلاح الأهم:

  • توثيق الجرائم في لحظتها، لتُصبح الأدلة متاحة أمام كل شاشة في العالم.
  • استخدام المؤسسات الدولية كمنصات فضح، لا كمحاكم عدالة.
  • كسر احتكار الرواية الإسرائيلية في الإعلام الغربي عبر مبادرات المجتمع المدني والناشطين الحقوقيين.

هذه الأدوات لا توقف الحرب، لكنها تُعيد صياغة الوعي الدولي بطريقة تجعل أي نصر إسرائيلي نصرًا بلا شرعية.

6. فقدان الشرعية كأزمة وجود لا كإحراج دبلوماسي

قد يبدو فقدان الشرعية أمرًا رمزيًا، لكنه في المدى البعيد يمس جوهر الوجود الإسرائيلي نفسه.
فإسرائيل ليست دولة طبيعية في محيطها، بل مشروع استعماري يعيش على الدعم الخارجي.
إذا بدأ هذا الدعم بالتآكل بسبب الانكشاف الأخلاقي، فلن تحتاج المقاومة إلى توازن عسكري، لأن الكيان نفسه سيُصبح عبئًا على داعميه.
وهذه هي المعضلة التي تدركها تل أبيب جيدًا:
أنها لا تستطيع العيش بلا الغرب، لكنها في الوقت ذاته تُضعف الغرب كلما استخدمته لحمايتها.

7. من الردع إلى الفضيحة: استراتيجية المقاومة الجديدة

إذا عادت إسرائيل للحرب بعد الهدنة، فستظن أنها استعادت الردع.
لكن الواقع أن كل جولة جديدة من العدوان تُفقدها ما هو أثمن من النصر العسكري:

  • الثقة الدولية.
  • الغطاء الأخلاقي.
  • القدرة على تسويق نفسها كـ"ديمقراطية في محيط متوحش".

في المقابل، تربح المقاومة الفلسطينية موقعًا أقوى في الرأي العام، حتى لو كانت خسائرها الميدانية فادحة.
فهي تحوّل كل جولة عدوان إلى مادة توثيقية ضد النظام العالمي الذي يحمي إسرائيل، وتعيد تعريف العدالة من منظور الشعوب لا المؤسسات.

خاتمة

إسرائيل لا تخاف من القانون، لأنها تعرف أن من يملكه لن يستخدمه ضدها.
لكنها لا تدرك أن الإفلات الدائم من العقاب هو سلاح ذو حدّين:
فبينما يمنحها الوقت لتواصل العدوان، فإنه يسحب منها شرعية البقاء على المدى البعيد.
أما حماس — رغم كل الخسائر — فقد أدركت أن الحرب الحديثة لم تعد تُخاض فقط بالصواريخ، بل بالسردية والرمز والوعي.
وفي هذا الميدان، بدأت إسرائيل تخسر فعلاً، لأن العالم بات يرى وجهها الحقيقي بلا أقنعة ولا شعارات.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.