أمريكا والحرب في أوكرانيا: مصالح استراتيجية وراء إعلان الرغبة في إنهاء الصراع

في الأشهر الأخيرة، ظهرت الولايات المتحدة وكأنها مستعجلة لإنهاء الحرب في أوكرانيا، بعد أكثر من عامين من الدعم العسكري والاقتصادي المكثف. على السطح، يبدو الإعلان وكأنه محاولة لحماية المدنيين أو تسريع السلام، لكن التحليل الواقعي يكشف أن هذا القرار يحركه مزيج من الضغوط الداخلية، الاعتبارات الأوروبية، والأهداف الاستراتيجية طويلة المدى لأمريكا.

1. الضغط الداخلي الأمريكي

أ. الرأي العام والإرهاق من الحروب الطويلة

  • الشعب الأمريكي متعب من التدخلات الخارجية الطويلة: أفغانستان، العراق، واليوم أوكرانيا.

  • أي استمرار للحرب يكلف الحكومة الأمريكية مليارات الدولارات سنويًا، ويزيد من الضغط على الكونغرس، خصوصًا قبل الانتخابات القادمة.

ب. التكلفة المالية الهائلة

  • الدعم العسكري والاقتصادي لأوكرانيا تجاوز مئات المليارات منذ 2022.

  • استمرار الحرب دون نتائج حاسمة يزيد من الانتقادات الداخلية حول جدوى هذا الإنفاق، ويخلق حاجة لإظهار رغبة حقيقية في التفاوض.

2. الضغوط الأوروبية

  • أوروبا تعاني من ارتفاع أسعار الطاقة والغاز نتيجة الحرب، إضافة إلى ضعف الإنتاجية الاقتصادية مع حلول الشتاء.

  • هذه المعاناة تدفع واشنطن إلى التحرك بشكل يظهر التزامها بحماية حلفائها وتقليل الأضرار الاقتصادية الناتجة عن الحرب المستمرة.

3. الأهداف الاستراتيجية الأمريكية

أ. إضعاف روسيا تدريجيًا دون مواجهة مباشرة

  • الهدف الرئيسي لأمريكا ليس إنهاء الحرب لصالح أوكرانيا، بل إضعاف روسيا اقتصادياً وعسكرياً، مع تقليل خطر المواجهة المباشرة.

  • الحرب تستنزف الموارد الروسية، وتضعف القدرة العسكرية لموسكو على المدى الطويل، بينما أمريكا تظل بعيدة عن المواجهة المباشرة.

ب. التحكم في مسار التفاوض

  • إظهار الرغبة في السلام يسمح لأمريكا بالتحكم في شروط أي اتفاق محتمل، سواء سياسيًا أو عسكريًا.

  • هذا يضمن أن أي تسوية مستقبلية تحمي مصالح الغرب وأمريكا في أوروبا الشرقية دون تخلي كامل عن أهدافهم الاستراتيجية.

ج. الحفاظ على النفوذ الأمريكي

  • أمريكا تريد أن تبقى الوسيط المسيطر على المنطقة، وأن يكون لأي اتفاق أي صفة شرعية دولية تحت إشرافها.

  • إنهاء الحرب بشروط معينة يعزز النفوذ الأمريكي ويثبت موقع واشنطن كلاعب رئيسي في صياغة مستقبل أوروبا الشرقية بعد النزاع.

4. التوقيت السياسي لإعلان الرغبة في إنهاء الحرب

  • روسيا متضررة اقتصاديًا لكنها لا تزال قوة عسكرية، وأوكرانيا تعتمد على الدعم الغربي للبقاء.

  • أمريكا اختارت الظهور بموقف داعم للسلام الآن لتوازن بين الضغوط الداخلية، الحلفاء الأوروبيين، واستراتيجيتها الطويلة المدى.

  • هذا التوقيت يسمح لأمريكا بتقديم نفسها كـ”ضامن سلام”، مع الحفاظ على المكاسب السياسية والجيوستراتيجية التي حققتها خلال الحرب.

5. الدافع الحقيقي وراء إعلان السلام

  • ليس الهدف حماية المدنيين الأوكرانيين، فهم يتحملون الدمار والخسائر.

  • الهدف هو تقليل الضغط الداخلي والخارجي على أمريكا، التحكم في المفاوضات، واستمرار إضعاف روسيا تدريجيًا مع الحفاظ على النفوذ الأمريكي.

  • أي تصور إعلامي عن “رغبة إنسانية أمريكية بإنقاذ أوكرانيا” هو في الواقع ستار استراتيجي يغطي مصالح بعيدة المدى.

6. الخلاصة الواقعية

إعلان أمريكا عن رغبتها في إنهاء الحرب في أوكرانيا اليوم هو جزء من لعبة استراتيجية أكبر، وليست مبادرة إنسانية أو دفاعية عن الشعب الأوكراني:

  1. الضغط الداخلي الأمريكي والانتقادات المتزايدة للإنفاق الهائل.

  2. الضغوط الأوروبية من ارتفاع أسعار الطاقة والاقتصاد المتأزم.

  3. الأهداف الاستراتيجية طويلة المدى لإضعاف روسيا والسيطرة على أوروبا الشرقية.

  4. التحكم في مسار التفاوض والشروط المستقبلية لأي اتفاق سلام.

باختصار، الولايات المتحدة تستفيد من الحرب سواء استمرت أو انتهت، وما يُسوّق عن “رغبة في السلام” هو أداة لتحقيق مصالحها العليا دون الدخول في مواجهة مباشرة.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.