أوكرانيا بين الدمار والسيطرة: الشعب المقهور ومصالح أمريكا في الحرب

الحرب في أوكرانيا منذ 2022 ليست مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين، بل مسرح سياسي وجيوسياسي معقد. على الأرض، الشعب الأوكراني يعاني القصف والدمار، بينما النخبة الحاكمة تستغل الحرب لتعزيز موقعها داخليًا وجذب الدعم الغربي. في الوقت نفسه، الولايات المتحدة تظهر اليوم رغبة في إنهاء الحرب، لكن خلف هذا الإعلان توجد أهداف استراتيجية ومصالح دولية تجعل مسألة السلام أكثر تعقيدًا مما تبدو.

1. الشعب الأوكراني: بين الضرورة والسياسة

أ. الدمار والمعاناة اليومية

المدنيون الأوكرانيون هم المتضرر الأكبر من الحرب. المدن مدمرة جزئيًا أو كليًا، ملايين الناس نزحوا، ونقص الغذاء والطاقة أصبح واقعًا يوميًا. ما يُسوّق إعلاميًا عن “الهوية الوطنية المستقلة” غالبًا ما يكون أداة للنخبة الحاكمة لتبرير الحرب واستمرار الدعم الغربي، وليس انعكاسًا لرغبات الشعب البسيط.

ب. الانتماء العرقي والثقافي

الحقائق على الأرض توضح أن غالبية سكان شرق وجنوب أوكرانيا مرتبطون ثقافيًا وعرقيًا بالروس. الحدود الحالية هي حدود سياسية حديثة، وليست انعكاسًا لانقسام شعبي حقيقي. الشعب لا يقاتل “ضد الروس” بدافع كراهية عرقية، بل نتيجة فرض الحرب عليه من قبل النخبة السياسية والجيش الروسي.

ج. النخبة الحاكمة واستغلال الحرب

الحكومة الأوكرانية تستخدم الحرب لتعزيز شرعيتها داخليًا، والحصول على الدعم الغربي، والتحكم بالمعلومات الإعلامية. الشعب أصبح أداة للنخبة وللغرب، يتحمل الخسائر الكبيرة دون أي صوت حقيقي في قرارات الحرب أو مسارها.

2. الولايات المتحدة: الحرب أداة والمفاوضات استراتيجية

أ. الضغط الداخلي والأوروبي

الرأي العام الأمريكي متعب من النزاعات الطويلة، واستمرار الدعم العسكري لأوكرانيا مكلف للغاية. أوروبا تواجه تداعيات اقتصادية من ارتفاع أسعار الطاقة والغاز، إضافة إلى الشتاء القاسي، ما يجعل استمرار الحرب مكلفًا أيضًا على الحلفاء الغربيين.

ب. الأهداف الاستراتيجية

الولايات المتحدة تسعى لإضعاف روسيا دون الدخول في مواجهة مباشرة. إظهار الرغبة في إنهاء الحرب يسمح لأمريكا بالتحكم في مسار التفاوض، وضبط الشروط لصالحها، مع استمرار تثبيت النفوذ الأمريكي في أوروبا الشرقية. الدعم الغربي لأوكرانيا في هذا السياق ليس محض دعم للشعب، بل أداة استراتيجية لتحقيق أهداف أمريكا طويلة المدى.

ج. التوقيت السياسي

الآن هو التوقيت الأنسب للضغط على موسكو وأوروبا على حد سواء. روسيا متضررة اقتصاديًا، وأوكرانيا تعتمد على الدعم الغربي، وأمريكا تريد أن تظهر كوسيط مسيطر على مجريات الصراع. إعلان الرغبة في إنهاء الحرب هو أداة ضغط سياسية أكثر منها دعوة لإنهاء الدمار على الأرض.

3. تداخل المصالح: الشعب الأوكراني وأمريكا

الشعب الأوكراني يدفع الثمن الأكبر من الحرب: نزوح، فقدان منازل وبنية تحتية مدمرة، وضغط نفسي مستمر. في المقابل:

  • النخبة الحاكمة تستفيد داخليًا من تعزيز الشرعية والتحكم بالمعلومات.

  • الغرب، وخصوصًا الولايات المتحدة، يستفيد سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا من استمرار الحرب أو حتى من إنهائها بشروط مناسبة.

العلاقة بين الطرفين هي علاقة أداة واستراتيجية أكثر منها دعم أو حماية حقيقية للشعب. الحرب على الأرض ليست لصالح المدنيين، بل أداة للسيطرة والنفوذ.

4. الهوية والحدود: الفصل بين الواقع السياسي والواقع الشعبي

  • الحدود الحالية بين روسيا وأوكرانيا سياسية حديثة وليست انعكاسًا لانقسام شعبي أو عرقي.

  • غالبية سكان شرق أوكرانيا مرتبطون ثقافيًا بالروس، بينما الحكومة في كييف تصفهم كجزء من “أوكرانيا الوطنية المستقلة”.

  • الصراع الحقيقي هو النخبة الحاكمة والأحزاب التي تحرك الحرب لتحقيق أهداف سياسية ودولية، وليس صراع شعبي عرقي أو هوية وطنية حقيقية.

5. الخلاصة الواقعية

الحرب في أوكرانيا ليست صراع هوية شعبي، بل صراع سياسي وجيوسياسي على الأرض الأوكرانية. الشعب مرتبط تاريخيًا وعرقيًا بالروس، لكنه أصبح ضحية النزاع بين النخبة الحاكمة والغرب.

الولايات المتحدة تظهر رغبة في إنهاء الحرب، لكنها تفعل ذلك لتحقيق مصالحها الاستراتيجية وتقليل الضغط الداخلي والأوروبي، وليس لإنقاذ المدنيين الأوكرانيين أو إنهاء الدمار. أي تصور إعلامي عن استقلالية أوكرانيا بالكامل أو عن حماية الشعب هو ستار سياسي يغطي الديناميات الحقيقية للصراع.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.